رسالة القاهرة إلى الخرطوم للاتعاظ من تجربتها مع الإسلاميين

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة

رسالة القاهرة إلى الخرطوم للاتعاظ من تجربتها مع الإسلاميين

يافع نيوز ـ العرب

أعادت الزيارة التي قام بها اللواء عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية للخرطوم، الاثنين، الحرارة في هيكل العلاقات الأمنية بين والسودان. جاءت الزيارة بعد ساعات قليلة من محاولة الاغتيال التي تعرض لها رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك. واتجهت أصابع الاتهام في العملية إلى أنصار نظام الرئيس السابق عمر حسن الذي عُرف لدى القاهرة بأنه يؤوي الكثير من المتشددين والإرهابيين.

يتجاوز توقيت زيارة عباس كامل مسألة المؤازرة التقليدية والتنديد المناسباتي. وأكدت أن القاهرة تحمل معلومات يمكن أن تفيد في معرفة الجناة الحقيقيين، كما أنها تعيد الدفء بين الدولتين، بعد خلاف نشب الأسبوع الماضي بسبب صدور قرار من جامعة الدول العربية يدعم موقف مصر في ملف سد النهضة، تحفّظ عليه .

وقامت وزارة خارجية كل بلد بإصدار بيان متعارض مع الآخر. ولم يفلح الاتصال الهاتفي بين الرئيس المصري عبدالفتاح والفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة بالسودان، في تبديد هذه السحابة، وجاء دبلوماسيا أكثر من اللازم.

توقع كثيرون أن يؤثر ميل الخرطوم لموقف أديس أبابا في ملف سد النهضة سلبا على العلاقات مع القاهرة، غير أن محاولة اغتيال حمدوك فرضت التعاون والتنسيق في مواجهة تنظيمات متشددة يمكن أن تستغل وجودها في السودان لتحريك العنف داخله وحتى خارجه، في وقت أصبح على بعد خطوات من رفع اسمه من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

معلومات استخباراتية مصرية

لدى مصر معلومات أمنية وتفاصيل كثيرة عن الجماعات الإرهابية التي تتنقل بين الدول المجاورة. وقام اللواء عباس كامل بجولة مؤخرا على عدد من الدول العربية، منها دول في شمال أفريقيا، ومدّهم بمعلومات موثّقة حولها، وحقيقة العلاقة التي تربطها بكل من وقطر، كي تتكاتف الجهود ويتزايد التنسيق لسد الثغرات التي يتسلل منها المتشددون.

ولدى القاهرة أيضا معلومات دقيقة عن العناصر التي تستقر في الأراضي السودانية، وهناك الكثير منهم ينحدرون من أصول مصرية وصدرت بحقهم أحكام بالإدانة القضائية، وجدوا ملاذا لهم هناك. وأخفقت جميع الجهود التي بذلت للتعاون مع أجهزة الأمن في الخرطوم إبان عهد البشير، لتسليمهم أو طردهم بعد توضيح خطورة ما يقومون به ويخططون له.

تكررت المحاولة بعد سقوط النظام. واستبشرت مصر خيرا بهذا التغيير في مجال مكافحة الإرهاب وتطويق المتطرفين، غير أن القيادات الأمنية الجديدة في السودان كانت حذرة وأبدت تجاوبا لفظيا ولم تتجاوب عمليا. وبقي هذا الملف مركونا على الرف، مع أن مصر كانت تضعه ضمن أولويات الاهتمام المشترك عقب رحيل نظام البشير.

جرت مياه كثيرة في السودان لم تجعل هذا الملف ضمن الأولويات في التعاون الإقليمي لأسباب متعددة، بعضها يتعلق بوجود نفوذ قويّ للنظام السابق في المؤسستين العسكرية والشرطية يحول دون فتحه على مصراعيه خوفا من تورط شخصيات كبيرة في عمليات إرهابية كان لها دور فيها، وبعضها يعود إلى الثقة المفرطة بأن السودان غير مصر، من زاوية محدودية تجاربه في ممارسة الإرهاب بالداخل.

بالتالي، فالقوى الإسلامية التي أُبعدت عن السلطة وتؤوي إرهابيين ستظل متمسكة بالأدوات السياسية والسلمية في المعارضة. وتم تجاهل تحذيرات من جهات مختلفة وردت إلى السلطة الانتقالية في السودان بشأن المخاطر التي يمكن أن تتسبب فيها الخلايا النائمة للمتشددين، وكانت من بين دوافع واشنطن وغيرها من العواصم الغربية، للتمهل في تطبيع العلاقات الكاملة. واليقين بأن الخرطوم لم تتعاف بعد ولم تتجاوز الصعوبات والتداعيات التي خلفها رحيل نظام البشير.

تُوصف محاولة اغتيال حمدوك بـ “الصدمة” التي لا بد أن تفيق بعدها الأجهزة الأمنية قبل أن تصبح البلاد ساحة جاذبة لعمليات إرهابية أشد وطأة، لأن الشعار الذي ترفعه قوى إسلامية عدة “إما نحكمكم أو نقتلكم” لن يكون تطبيقه بعيدا عن السودان. وقد شهدته مصر من قبل، عندما توالت العمليات الإرهابية بعد سقوط حكم جماعة الإخوان في القاهرة، وهو ما يفرض على الخرطوم زيادة التعاون، والاستفادة من تجربتها في التعاطي مع بقايا الجماعة سياسيا وأمنيا.

الاستعانة بالأصدقاء

شدد مجلس الأمن والدفاع السوداني في اجتماعه، الاثنين، على ضرورة تحديد المسؤوليات الأمنية في محاولة اغتيال حمدوك، والتحري الفوري والاستعانة بـ”الأصدقاء”، في إشارة إلى مصر، بما يسهم في كشف المتورطين وتقديمهم للعدالة، واصطفاف مؤسسات الدولة في مواجهة المخططات التي تستهدف استقرار السودان وسلامته.

وأكد الخبير العسكري السوداني الفريق أحمد التهامي أن زيارة عباس كامل استهدفت التركيز على ضبط الحدود بين البلدين وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن العناصر الإرهابية التي تتحرك بين البلدين، لأن السودان بحاجة إلى مزيد من الدعم المعلوماتي لقواته التي تفتقر للخبرات الكافية في التعامل مع العمليات الإرهابية وتفكيك الخلايا.

وأضاف لـ”العرب” أن الزيارة رمت لتوسيع دائرة التدريبات المشتركة، في ظل اتفاقات سابقة بشأن استضافة القاهرة لعناصر من الشرطة والجيش السوداني، والتطرق لمسألة تسليم العناصر المطلوبة أمنيا وفقا للقانون الدولي، والاستفادة من الخبرات المصرية في مواجهة تنامي الإرهاب واستحداث مجالات للتعاون ومجابهة الأخطار المتصاعدة بالمنطقة.

تشير هذه المعطيات إلى تعزيز التعاون الأمني، لكن ليس مضمونا أن يسير السودان على الدرب المصري في هذا الملف لوجود خصوصية شديدة في البيئة التي تمنعه من الإفراط في الحسم، وفائض القوة الباطشة في مصر الناجمة عن الإمكانيات الكبيرة التي يملكها جيشها، مقارنة بالسودان، ما يفرض على القيادة الحالية إما توسيع أطر التنسيق مع القاهرة بكل امتداداتها، أو مواجهة تحديات متعاظمة إذا قررت القوى الإسلامية فتح نيرانها في وجه السلطة الانتقالية، نتيجة اليأس من تحقيق مكاسب بالطرق السياسية.

وتضع قوى متباينة في السودان نصب أعينها التجربة المصرية في المجالين الأمني والسياسي. وتحاول الاستفادة منها وتحاشي تكرار الأخطاء، لأن هناك عوامل كثيرة متشابهة تفرض هذه المعادلة، وعلى الخرطوم أن تختار منها ما يناسبها وتتجاهل ما يتعارض مع طموحاتها لبناء السودان الديمقراطي الجديد.

إذا كانت القواسم الأمنية المشتركة واضحة ومتقاربة نسبيا، فنظيرتها السياسية بعيدة تماما. وبدت التجربة المصرية بعد سقوط الإخوان نموذجا مرفوضا لدى شريحة كبيرة من القوى الفاعلة، حيث يريد هؤلاء أن تكون الدولة ذات وجه حضاري مدني، ودور الجيش يظل محصورا في مهامه العسكرية ولا علاقة له بالحياة السياسية. الأمر الذي قوّض فرص المجلس العسكري الذي أدار البلاد لبضعة أشهر في السلطة وفرض بعد إقرار الوثيقة الدستورية مشاركة عسكرية مدنية في مجلس السيادة، وحكومة مدنية تماما يقودها حمدوك.

كانت تأثيرات النموذج المصري قوية في الجانب السياسي، وقطعت الطريق على فرص المؤسسة العسكرية السودانية للحكم مباشرة عبر اختيار إحدى الشخصيات التي تنتمي إليها. ولا تزال الهواجس تصاحب التحرّكات التي يقوم بها الجيش وتبدو بعيدة عما يرتضيه المدنيون، ويتم تفسيرها على أنها التفاف على ما يوصف بـ”فيتو إنهاء دور العسكريين في السلطة”، أو محاولة اقتباس النموذج الجزائري الذي يقبض على مفاتيح كثيرة من وراء الستار.

تكمن المشكلة في أن التجربة المصرية، بكل ما تنطوي عليه من إيجابيات وسلبيات وحدة واحدة ومتكاملة، بمعنى أن التركيز على الاستفادة من الشق الأمني وترك السياسي قد يكون من الصعب تحقيقه في السودان، لأن ترابطهما وتلازمهما في القاهرة مكّن من دحر الإرهاب وهزيمة القوى الإسلامية المتشددة. وقد تكون النتيجة ضعيفة في السودان لوجود هوة شاسعة بين الأمني والسياسي.

شاركنا ..

إعجاب تحميل...

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق