اخبار الإقتصاد السوداني - مع موازنة 2021 .... وفي انتظار جودو؟؟؟ .. بقلم: د. حسب الرسول عباس البشير

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
أمدرمان- يناير 2021
هذا العنوان مما أوحت به لي تداعيات السؤال الحائر الذي ظل يشغلني منذ أن اطلعت على موازنة العام الماضي 2020 وتعديلاتها، ثم استمرار حيرتي حول ماذا ننتظر لابتدار معالجات وحلول سياسية/اقتصادية ومجتمعية جادة وعملية تخرجنا من النفق المظلم الذي أدخلتنا فيه ممارسات المجموعة الحاكمة خلال عام كامل من التدهور المضطرد. لم أجد وصفا ابلغ لحالنا ونحن ننتظر الحل الذي لن يأتي...كحال شخصيتي رواية صموئيل بيكيت ذائعة الصيت " في انتظار جودو" (ايستراجون وفلاديمير) الذان يبلغان، بعد طول انتظار، بقدومه في اليوم التالي.. ولكنهما برغم القرار بالرحيل ألا أنهما يظلان في الانتظار.
توحي الإدارة الاقتصادية لنا ولشعبنا وبعد مضي قرابة العام ونصفه أنها بموازنتها الجديدة للعام 2021 كمن جاءت لشعبها بمخطط لفعل اقتصادي جدي وعبقري يخرجنا من الازمة، أو على الأقل يضعنا على بداية الطريق الصحيح، بعد طول انتظار ومعاناة. ولكننا، كما في حال جودو تماما، فان الموازنة الجديدة لا تفعل لنا شيئا وليس هناك من جديد، وتشرق علينا شمس كل يوم وليس هناك سوى المزيد من العجز والانهيار. فهل نظل في الانتظار؟؟
اقتناعي التام، وحزني، باننا لم نفعل شيئا جادا لمعالجة أهم قضايا الراهن الاقتصادي. فقضايا الراهن الاقتصادي لا تتمثل في الفشل في توفير الخبز او الغاز أو الوقود أو الدواء وانما هذه كلها ليست سوى أعراض لعلة رئيسية تتعلق في فشلنا بتعبئة الموارد الذاتية الحقيقية لتمويل الدولة، واتباع السياسة الراشدة والعادلة المصاحبة لذلك. وبدلا من امتلاك الحكمة والجرأة وطرح القضية بابسط صورها لشعبنا، وبنفس المنطق الذي يطرح به رب الاسرة قضية توفير الدخل لاسرته بجرأة وجدية كقضية أولى في اقتصاد الاسرة، حيث أن توفير الدخل هو الأسبق، وأنه وليس غيره هو ما سيكفي الاسرة شر المسغبة أويحميها من التفكك ولجوئها الى ما يؤدي الى تحللها وضياعها وربما دخول ربها الى السجن. ولكن بدلا من طرح القضية كقضية تتعلق بالموارد تظل الحكومة تلف وتدور وتتحدث عن شكليات تتعلق بقضايا لا تمت الى أساس المشكلة بصلة. وتبدو، في عجزها عن ابتدار الحلول الجادة وتخدير الشعب، كمن ينتظر قادما ليأتي لنا بالحل السحري.
هذا الموازنة للعام 2021، والتي للأمانة فقد عزفت عن دراستها بعمق، لأنها لا تقدم أي حل لقضية الموارد. ففحصي لها لم يتعد اسطرها الأولى، حيث تبينت أنها افترضت أن الضرائب السنوية تقدر بحوالي 282 مليار جنيه. ومقارنة مع ما قدرته لإجمالي الناتج المحلي للعام القادم الذي قدر بحوالي 5958 مليار فهي تمثل 4.7% منه. وبهذا فلعلها تمثل ادنى نسبة للضرائب عرفتها إحصاءات المالية العامة في تاريخ الدولة لما بعد الاستقلال.
إن هذا المعدل المتدني من الموارد لا يعني سوى أنهم فعلا ينتظرون جودو...الذي لن يأتي بالطبع... وسيكون العام القادم، كسابقه، حاملا لمزيد من الفشل والتدني والانهيار لاقتصادنا. وقد سبق وان كتبنا مرارا بأن الحل لمأزقنا، ونحن نحاول بناء دولة حديثة ننتقل بها الى آفاق دولة حرية وعدالة وديمقراطية حقيقية، يكمن في أن نصحو من حلم إمكانية بناء مثل هذه الدولة دون تدبير الموارد الذاتية الضريبية وبالاعتماد على أنفسنا. وقد ذكرنا بأن متوسط معدل الضرائب في الدول الافريقية يقدر بحوالي 18% من الناتج المحلي ويبلغ في بعض الدول ما يفوق 30%.
لماذا نفشل في الارتقاء بمعدلات الضرائب عندنا لنكون مثلهم؟؟
ليس لدي أجابة دقيقة على هذا السؤال، وعلى عجزنا من مجرد المحاولة، ولكني أفترض بأن من يتصدون لمهمة بناء الدولة في هذا المجال لا يودون أو لا يستطيعون تحمل ما ألقي على عواتقهم من مسؤولية أو لا يعرفون؟ . أو ربما يحلمون ويأملون في جودو قادم ليحل لنا مشاكلنا. ويبدو لي إننا ومن خلال إعداد موازنات كالتي أعددناها في العام 2020، وكان معدل الضرائب فيها حوالي 7% من الناتج المحلي، وما تبعها من تعديل لها في 2020، نظن بأن هناك من يحلمون بعالم من السحرة أو "أمما متحدة" أو "أمريكا" أو مجموعة من المانحين سيجيئوننا بالفرج. قد أكون مخطئا... ولهم العتبى.. ولكن الإصرار على أعتماد مثل هذه المعدلات المخجلة للموارد الذاتية في كل موازناتنا هو مما أعجزني.. ويعجزني استيعابه... وآمل من كل القراء عوني في فهم السر وراء هذا الإصرار بأفتراض أننا سنعجز عن فعل ما تفعله معظم الدول التي تحتل المكان الوسط،، وما دونه، من بين دول افريقيا، علما بأننا حققنا معدلا في تحصيل الضرائب وصل الى 20% من الناتج المحلي في سبعينيات القرن الماضي؟؟
لو كنت رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء كله لما قبلت بهذه الموازنة، وأجزتها، دون طرح هذا السؤال على المجموعة التي اعدت الموازنة: كيف نقبل أن نضع خطة لموازنة حكومتنا تمثل الضرائب فيها ربع ما تمثله في المتوسط الدول الافريقية (4.7% مقارنة مع 18%). ولقمت من توي وقطعت الارسال لاخاطب شعبي على كل قنوات التلفزة داعيا لهم (ومبتدئا بمجلسي) بان نقبل على علاج مثل هذا الخلل الخطير بتحمل مسؤولياتنا بدفع ضرائب على الثروة والممتلكات مبتدئا بالممتلكات العقارية، التي لا يسهل اخفاءها، وبنسبة لا تقل عن 1% من قيمة العقار بالعام..ولفترة عوام عشرة.. لأن هذا هو الحل الوحيد والعاجل الذي يمكننا من أن نحتفظ بوطننا في تقديري.. منبها للناس جميعهم بأن ليس هناك من جودو قادم... وأن كان ثمة جودو قادم فإنه يتمثل في الحس الوطني الذي كان ضائعا....فجودو هو أنا ....وأنت...وهي وهم... وكلنا.
وبالطبع، فسيكون هناك العديد من المعتذرين ومدعى الأعذار والمسوغات التي تدعو للاعفاء وظروف الكورونا.. ولهؤلاء نقول ....لذلك كان تركيزنا على الضريبة على الثروة بما تمثله من تراكم لاموال ولا علاقة للكورونا بذلك. كما وأن الثروات ، والعقارية منها بالذات، لا يمكن إخفاءها والتهرب من الالتزام بدفع الضرائب عنها. ولكن الإشارة الأهم هي أن الالتزامات القومية المطلوبة للحفاظ على كينونة الدول لا يعتذر منها... ولا يتخلف منها الا ضعاف الوطنية...وإنما يقبل عليها الناس خاصة اذا اقتنع الجميع بأننا كلنا في المعركة سواء.... ويتيسر للبلاد القادة الذين تنتظرهم البلاد ساعة الضيق..ويمثلون القدوة ساعة البناء.
ونسبة الضرائب الى الناتج المحلي التي اشير اليها أعلاه، وكنا قد نوهنا لها من قبل، وخاصة الضرائب المباشرة على الثروة والدخول العليا هي من أهم مؤشرات رغبتنا وارادتنا في بناء الدولة والاعتماد في ذلك على مواردنا الذاتية. وهي كذلك المؤشر لأي "جودو" يرغب في عوننا بأننا الأسبق على انفسنا...وأننا لن ننتظر أحدا ليقبل ويبني لنا وطنا... وأننا نستحق عونه أن تيسر.
أن الضرائب على أصحاب الثروات والدخول العليا هي ضرائب عادلة. ولا بد أن نذكر أن أصحاب الثروات قد راكموا ثرواتهم هذه عبر خدمات عامة وفرتها الدولة، وليس أقلها الدعم غير المسبوق عبر عقود طويلة تتمثل في التمويل المصرفي المدعوم والذي يوجه للأغنياء قبل الفقراء ناهيك عن دعم السلع مثل الوقود والنقل والمحروقات وكل الخدمات العامة وأولها الامن والتي لا يستقيم الاقتصاد الا بها. ولا بد أن نذكر هؤلاء بان اول المستفيدين من بناء الدولة القوية وما يترتب على ذلك من تحسن مالية الحكومة وحالة الاقتصاد هم أنفسهم أصحاب الثروات والدخول الكبرى، وقد حان وقت مساهماتهم. فليفعلوا ذلك حرصا على مصالحهم.
إن أساس مقترحنا هذا هو أن نرتقي بمعدلات الضرائب كلها وخاصة المباشرة على الثروة بالذات الى مستويات لا تقل عن 20% من الناتج المحلي، فان هذا وحده هو السبيل الى ابتدار الحلول التي نعتمد فيها على مقدراتنا الذاتية والتي تمكننا من إدارة اقتصادنا بمسؤولية والابتعاد عن السياسات الخرقاء التي وضعتنا في مصاف الدول الفاشلة واحبطت شعبنا بعد أن احدث تورة تحدث عنها كل العالم. كما أن الارتقاء بمعدلات الإيرادات الحقيقية هو السبيل الوحيد الى خفض التضخم. ولن يصدق أحد ما جاءت به الموازنة من أن التضخم سينخفض لمعدل 95% في العام 2021 مقارنة مع 165% معدل 2020 دون عمل حقيقي لتعبئة الموارد الحقيقية كالذي يدعو اليه هذا المقال.
لا يهمنا كيف نصل الى هدفنا بزيادة الضرائب لتكون 20% أو حتى 30% من الناتج المحلي، ولكن المهم أن يكون هذا هدفنا وأن نخطط لنعمل على تحقيقه بدلا من الأهداف المتقزمة التي أجيزت في الموازنة التي أدعو الى إعادة النظر فيها. واذا كان هناك من يمتلك منهجا آخر أكثر كفاءة لوصولنا لهذا الهدف فذلك هو المطلوب. ولكن قناعتي بأن العدالة الضريبية تتطلب مزيدا من الضرائب المباشرة ونسبة اقل بكثير من الضرائب غير المباشرة. ولكن، وفي كل الاحول، فان الجهد المطلوب يحتاج الى ثورة تتمثل في إرادة عظيمة وتوافق سياسي أعظم نفتقده ونبذ الجري وراء المناصب لدولة تكاد تنهار بين أيدينا. والأمر لا شك يحتاج كذلك الى دعم أجهزتنا الخاصة بتعبئة الضرائب وتحصيلها، بما يعنيه ذلك من هياكل ومنظومات عمل وكوادر، وهذا باب من أبواب توفير العمل المنتج لآلاف من أبنائنا وبناتنا. ويحتاج من القيادة السياسية ومجلس الوزراء الجديد جهدا في القيادة والريادة والمتابعة اليومية.
واذا كان ثمة أمل في أن نرد العافية لعملتنا الوطنية واستقرار اقتصادنا ، وهذا أمر طالما سكت أهل الاختصاص من إجابتنا عليه ربما لعلهم أيضا في انتظار إجابة من لدن جودو، ، فان ذلك يكمن في اعتمادنا على ذواتنا وشحذ الهمم لنساهم كلنا، خاصة من يمتلكون الثروات والدخول الضخمة في تقدم الركب فالدول والأوطان يبنيها بناتها وأبناؤها وكلي ثقة في أنه بالعرق والجهد وتوفر القيادة الجادة ليست من المستحيلات.

مع موازنة 2021 .... وفي انتظار جودو؟؟؟
الجزء الثاني
أمدرمان- 31 يناير 2021
هذا المقال استطراد لمقال سابق نشر على صفحتي بفيسبوك يوم 29 يناير 2021 حول موازنة 2021 وبتركيز خاص على بؤس تقدير الموازنة للايرادات الضريبية، والدعوة الى معالجة الأمر. وكان ملخص قولي أن علاج أهم مشاكلنا المتعلقة ببناء الدولة تتعلق بأن مثل هذا التقدير المحبط لما نخطط له من إيرادات ضريبية للدولة تقل قليلا عن 5% من الناتج المحلي هو أمر مخجل ويدعو للتعجب. والمطلوب ممن خططوا له أن يخرجوا لنا ويبرروا لنا لماذا في تقديرهم افترضوا عجزنا عن أن نكون مثل بقية اقتصادات القارة التي يبلغ متوسط معدل ضرائبها ما يقل عن 18% قليلا. وقد دفعني استاذي ورئيسي في فترة مبكرة من حياتي العملية وصديقي الدكتور علي محمد الحسن، الى أعداد تفصيل أكثر حول الموضوع، وهأنذا أفعل. كنت أن يكتب هو أستطرادا حول الموضوع ولكن ظروفه الصحية لم تمكنه وهأنذا افعل برا به أولا ولأهمية الموضوع، ولا زلت أطمح في أن يتمكن هو من المساهمة. فالرجل فيما يعلم الكثيرون ذو فكر وخبرة عرفهما المجال الاقتصادي الأكاديمي والعام وخاصة في مجالات المالية والاقتصاد النقدي.
إن قضية الموارد الذاتية تمثل جانبا مهما من الازمة الراهنة، ومن الجانب الآخر فإن مشكلتنا الكبرى المتعلقة بخروج قطار التضخم عن مساره السوى وبلوغ متوسط التضخم السنوي عندنا لعام 2020 حوالي 165% والمعدل للشهر الأخير 297% يشكل هاجسا لا يقل خطورة. وبهذه المعدلات فاننا نجد أنفسنا على قائمة أعلى الدول تضخما نقديا في العالم، وهو مما لا حل له إلا علاج جذور المشكلة: وهي تتعلق بضعف مواردنا الذاتية الحقيقية، مما يستلزم ابتعادنا عن الحلول السهلة بالتمويل بالعجز وإغراق الأسواق بالنقد مما أفقد العملة الوطنية قيمتها. مع أن الحفاظ على قيمة العملة الوطنية ليس هدفا اقتصاديا فحسب ولكنه التزام أخلاقي من الحكومة لمجتمعها، لا أظن أن أهل الحكم ينظرون له من هذا المنطلق وهم لا شك غافلون.
والمعضلة الكبرى عندي تتمثل في تعاملنا مع منظومة المالية العامة والضرائب بقدر غير قليل من الغفلة. ولبناء الدولة تحتاج لموارد يوفرها أبناؤها ولا ينتظرونها من المانحين، ولحل معضلة التضخم فان الحل لا يتمثل الا بإيقاف التمويل بالعجز الذي بلغ حدودا تتجاوز الوصف. وما قيل عن حلول يطرحها البنك المركزي بفتح الباب للمصارف والسماح لها برفع أسعار اقراضها كما تشاء لا يحل المشكلة. لأنك ببساطة، كبنك تقرض وبعض من مصادر تمويلك من موارد رأسمالية فلن تفكر في الإقراض بما يوازي التضخم. تخيل أن يعرض البنك الزراعي، مثلا، لعملائه الاقتراض بنسب تمويل تبلغ 300%!!!!. وحتى أن تيسر له ذلك، وهذا ضرب من الخيال بالطبع، فان ذلك لا يعني أكثر من الحفاظ على أصل قرضه. فالحل إذن لا يتمثل في رفع أسعار الإقراض ولكن بضرورة عمل شيء عاجل....وعاجل جدا ...لتدارك قضية إنفراط معدلات التضخم وخفضها لمستويات الدول المسؤولة (وهي في العادة لا تزيد بل لا تبلغ 10%)...لأننا إذا لم نتداركها سينهار المعبد على رؤوسنا جميعا...ولا أعجب إلا من إغفال الامر الى درجة الإهمال من جانب مصرفنا المركزي ووزارة المالية.... فالأمر يحتاج الى أكثر من إدعاء بأن الحكومة ستخفض التضخم لمعدل 95% في 2021 ، وكانت قد وعدتنا في 2020 بأنها ستخفضه خلال ذات العام الى 30%. نحتاج الى أكثر من وعد لا يسبقه تخطيط واقعي وخطة واضحة توضح كيف.. ومتى سنعود باقتصادنا من حافة الانهيار... خاصة وأن هاتان المؤسستان بالتحديد (والحكومة كلها) تقع عليهما مسؤولية "حدوث ما حدث". وبالله عليكم لا تلقوا باللوم على الكورونا فالعالم كله مصاب بالكورونا فلماذا نصاب نحن بمتلازمة ، وما هو اخطر منها، من تضخم مفرط؟؟؟؟
أولا: نحن لسنا بسذج ونعلم أن دعوتنا لكبح جماح وثقافة التضخم، ليس بنزهة، خاصة في ظل اقتصاد استمرأ ثقافة التضخم لسنين عددا. ولفائدة القارئ غير الملم باحصاءات التضخم فان لأول مرة فاقت نسبة التضخم بالعام نسبة 100% كان في عام 1991 حيث بلغت 124%، ولم نتمكن من كبحها لتكون أدني من معدل 100% الا بعد سبعة أعوام حيث تدنت الى 17% في عام 1998 وبلغت أقصى معدلاتها في 1996 بمعدل 133%. إن الامر ليس بنزهة لبلد لم يعرف معدلات التضخم الآحادية الأرقام (أو أقل من 10%) منذ العام 1971، اذا استثنينا عام 1976 حيث بلغ التضخم أقل من 2%.
ثانيا: ونحن لسنا بسذج أيضا لأننا نعلم أن دعوتنا للارتقاء بمعدلات الضرائب والايرادات الذاتية، ليست بنزهة. فلأننا اعتمدنا الحلول السهلة في تعبئة الموارد الذاتية عبر الضرائب غير المباشرة (سواء ان تم ذلك عبر الجمارك أو الضرائب على المبيعات –الفات) التي يقرر فيها بجرة قلم ويقع عبئها على الفقراء قبل الأغنياء، وهي ضرائب لا تراعي العدالة الضريبية حيث أن العبء النسبي فيها على الفقراء أكبر، فالاقلاع عن الحلول السهلة في ظل تدني مقدرات الدولة أمر ليس بالسهل. ونقترح أن يبدأ العمل الجدي من موازنة العام 2021 والتي أرى أننا نحتاج لمراجعتها ليكون ما تستهدفه من تعبئة للموارد لا يقل عن 18% من النتاتج المحلي وهو متوسط القارة الافريقية وبالتركيز على الضرائب على الثروة. وقد أبدى لي أستاذي بروفيسور علي محمد الحسن بأن هذا أمر غير واقعي. كان ردي عليه بأنني أحلم بأن شعبا قام بقيادة ثورة ديسمبر يمكنه أن يحقق المستحيل لو وعى وآمن بأن ما ندعو له هو من مطلوبات بناء المستقبل. وما نضعه في موازناتنا ومخططاتنا هي أهداف يجب أن تكون بقدر طموحنا لذلك يجب أن تكون أهدافا فوق مستوى النظر وليس تحت الاقدام فان نجحنا حق لنا أن نفخر بأنفسنا وإن لم نحقق النجاح كاملا فليكن ذلك حافزا لمزيد من العمل الدؤوب والجاد.
ثالثا: لذلك كانت دعوتنا في مقالنا السابق لإحداث تحول جوهري يتمثل بتركيز منظوماتنا لتعبئة الموارد بتغيير تركيبة الموارد الذاتية على أن تكون الضرائب على الثروة هي الأكبر نسبة. وقد تحدثنا بالذات عن الضرائب على العقار بالرغم من أننا نقصد كل أنواع الثروة لأسباب أشرنا اليها في مقالنا السابق. وكنا قد دعونا لهذا التحول منذ أن أعلنت الحكومة موازنة العام 2020 ولكننا لم نفعل شيئا. فما هو المطلوب عمليا؟؟
رابعا: وللحديث عن الجانب العملياتي في تنفيذ ما ندعو له فأن الأمر يتطلب بناء جهاز ومنظومة ذات فعالية وكفاءة تكلف بتعبئة موارد الضرائب والجمارك والايرادات الذاتية الأخرى، ويستدعي الأمر بناء الهياكل الإدارية والنظم التقنية ورفد الأجهزة بالكوادر المتخصصة وحفزها بأعلى المرتبات والحوافز بالدولة، وجلب الدعم الفني لها من كل الجهات (التي تعلم أنه أحسن لنا ولها أن نصطاد بانفسنا السمك بدلا من أن نتسوله منهم أو من الآخرين). كما يستدعي الأمر التعديلات اللازمة في التشريعات التي تعطي هذا الجهاز المقدرات الناجعة للوصول الى القطاعات غير الرسمية التي لا تفي بمساهماتها الضريبية وتتهرب منها بينما هي قد اغتنت وتغتني كل يوم عبر المعاملات الريعية والفساد والافساد. لا بد أننا نعلم أن دولا كثيرة، يعرفها الناس جيدا، تمثل أجهزة تعبئة الضرائب فيها مثالا من حيث التزام الناس بالايفاء لها بمستحقات الضرائب كجهاز (خدمة الإيرادات الداخلية) Internal Revenue Service في الولايات المتحدة. ويؤدي التهرب منها الى دخول المتهربين السجون دون أدنى سبيل الى "تحلل" أو مجاملات. هذا ما يتطلبه الجانب العملياتي وما يجب أن نوفر له كل الموارد وفورا. يجب أن يكون جهاز تعبئة الموارد الذاتية أقوى أجهزة الدولة إذا كنا نود أن نبني دولة نعتمد فيها على أنفسنا.
وقد يكون من الحكمة إعطاء مثل هذا الجهاز استقلالا إداريا شبيها بما يمنح للمؤسسات العامة كالمصارف وأن يكون على رأسه مجلس إدارة يتم إختياره من أخيار المجتمع ويشرك فيه قطاعات الاعمال من كافة قطاعات الإنتاج الحقيقي الكبرى والصغرى. ويكون الهدف من هذا الترتيب الإداري أعطاء الجهاز المرونة اللازمة ومع ضمان التنسيق مع الوزارت المعنية، مع ملاحظة أن في تجارب بعض الدول ما قد فصلت تماما بين أجهزة تعبئة الموارد ووزارت الانفاق الجاري والتنموي.
هناك من يدفعون بخطأ فكرتنا أو يتخوفون من مخاطر فرض الضرائب على قطاعات الإنتاج بدعوى أنها ستؤدي الى زيادات في الأسعار والى موجات جديدة من التضخم والكساد. ولهؤلاء نقول أننا نتحدث عن إرث طويل من ممارسات قومية أهملت فرض الضرائب العادلة وكان نتيجة ذلك المعدلات المخجلة من الضرائب التي افترضتها موازنة 2020 في إمتداد لتلك الممارسات. نتيجتها أن الدولة تفتقد الموارد وأصبحت تعتمد كأمر واقع على التمويل التضخمي، وقد آن لهذه الممارسة أن تتوقف وآن لمن أغتنوا منها أن يعلموا أن الاقتصاد الصحيح لن يتأتى باستمرار هذه الممارسة المعتلة. كما آن لنا أن نعتمد الضرائب على الثروة كآلية مهمة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبالمقابل فاننا ندعو بأن نركز على أنتزاع المساهمات من هؤلاء لإصحاح خلل قد طال أمده. ولا يجب أن نتهم، من خلال دعوتنا هذه لاصلاح الضرائب وتبني العدالة الضريبين، بأننا ندعو لغير العدالة الاجتماعية وفي ظل اقتصاد رأسمالي، وليس في إطار أقتصاد مركزي قابض خبره العالم عقودا ولم يجن منه نجاحا كبيرا. وقد أثبتت التجربة أن هذا النمط من الاقتصاد، كما في دول أوروبا الشمالية قد حقق توازنا مثاليا بين النجاح الاقتصادي وعلاقة الدولة والأسواق والعدل الاجتماعي. وكما يعلم الجميع فان أساس النجاح فيه هو أن منظومة الدول التي طبقته تتميز بمعدلات ضريبية تفوق الأربعين بالمائة من الناتج المحلي، فهي قد بلغت 47% في النرويج و56% في الدنمارك و60% في السويد وتفوق الضرائب التي يدفعها المواطن الذي يقدر دخله بحوالي 80,000 دولار في هذه الدول ما يدفعه المواطن الأمريكي الذي يصل دخله السنوي نصف المليون دولار. تستعمل هذه الدول الراشدة هذه الموارد لتنمية اقتصاداتها في ذات الوقت الذي تسعى فيه لتحقيق العدل الاجتماعي بين مواطنيها.
وهناك من ينسون أن الضرائب والموارد الذاتية التي تفرضها الدولة تنفقها على ما يخلق المناخ المناسب للأداء الاقتصادي الفعال وعلي تحقيق الكفاءة الاقتصادية مثل إصلاح الكهرباء والمياه والميناء والنقل والامن والتعليم والاتصالات، وما يحسن كفاءة معاملات الدولة لمواطنيها في كافة القطاعات. إذن فان الامر لا يتطلب تحصيل الموارد فقط ولكن حسن إدارتها وان تكون اسبقياتها لتحسين مناخ الكفاءة المجتمعية في كافة نواحي خدمات المجتمع. ولك أن تتخيل كم ستستفيد قطاعات الاعمال من تعبئة الموارد الذاتية للدولة اذا وفرنا اقصى ما يمكننا لها واستخدمناها لمعالجة إختناقات انتاجنا التي لا تحصى، والتي لا يبرر تمكنها من خنق اقتصادنا الا عجزنا وقصور ارادتنا. كما وأنه يمكن للدولة اذا رأت أن سياساتها الضريبية قد أحدثت كسادا أو خلالا بقطاع ما فليس هناك ما يمنعها من التدخل والانفاق عليه كما يحدث الآن في العالم لمعالجة آثار الجائحة.
كلي أمل في أن يتصدى قطاع الاعمال في لمسؤولياته ولعب دور القيادة في خطة ليس لأن بعضهم قد كان مستفيدا من الممارسات السابقة وراكم أموالا كثيرة فحسب، ويجب أن يكون سباقا في جهد الاصلاح، ولكن لأنه، وقد بلغ سيل ذبى أنهيار الدولة ، فسيكون رجال الأعمال هم المستفيد الأول من المساهمة في بناء موارد الدولة والتي هي الشريك الأول في خلق مناخ الاستثمار والعمل وحماية اعمال الخواص والاقتصاد كله. فأخشى ما أخشاه أن يأتي يوم قريب قد لا نجد نحن ولا يجد رجال أعمالنا وطنا يمارسون فيه أعمالهم حيث يختل الأمن فلا يتمكن العامل من الوصول الى مكان عمله ولا يستطيع منتجو السلع العمل في الأسواق لغياب الأمن. فلننظر فيما يحدث في بعض الجمهوريات الافريقية القريبة لنا لنرى ما يمكن أن يحدث أذا لم نتدارك الامر، ونحرص على بناء دولة قوية نستحقها وتستحقها أجيالنا القادمة.
في الختام، أعلم أن أمر بناء الدولة معركة طويلة تحتاج الى إرادة، وما طرحناه خلال هذين المقالين، من أهم مكوناته. فالدولة تبنى برغبة مجتمعها وجماعاتها السياسية التي يهمها ما تقدمه الدولة ولكنها لا بد أن تكون على استعداد لتقديم الدعم المادي للبناء. فدولة مثل بلجيكا مثلا تقدم ما يقارب 45% من ناتجها المحلي كايرادات ذاتية للدولة. ومن ناحية أخرى فمن مقولات بعض أهم علماء الاقتصاد في العصر الحديث أن أكبر معوقات علاجنا لمشاكلنا الاقتصادية كالتضخم هو قصورنا عن المساهمة في الحلول كمجموعة وأعتماد كل فرد أو جماعة على الآخرين. وهذا ما سيؤدي الى أن نفشل في بناء دولتنا أثق في أننا سنكون على قدر التحدي. ومرة أخرى ليس هناك "جودو" لننتظره والله الموفق.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار الإقتصاد السوداني - مع موازنة 2021 .... وفي انتظار جودو؟؟؟ .. بقلم: د. حسب الرسول عباس البشير في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع سودارس وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي سودارس

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق