اخبار الإقتصاد السوداني - أَصْوَاتٌ لَا تُهَادِن !! .. بقلم: كمال الجزولي

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
الإثنين
في الثلاثين من أكتوبر المنصرم (2020م)، أصدرت اللجنة الاقتصاديَّة لقوى الحريَّة والتَّغيير أخطر بياناتها طرَّاً، كونه يكشف عن بلوغ التَّنافر بين حكومة حمدوك وحاضنتها السِّياسيَّة المفترضة «قحت» أقصى تمظهراته في ما يتَّصل بالمعضلتين اللتين تعترضان عمليَّة الانتقال، وتهدِّدان الثَّورة ذاتها، من ثمَّ، بالانتكاس، وربَّما بالانهيار الشَّامل: أسعار الوقود، والأوضاع المعيشيَّة للجَّماهير! ففي بيانها تبدو اللجنة، بل الحريَّة والتَّغيير كلها، كأنَّما تعاني من أنيميا حادَّة، وفقدان تام للسَّيطرة على مقود الحكومة، إذ تشكو لطوب الأرض! من أنَّها ما انفكَّت تجترح ما يكفل معالجة الأزمة الاقتصاديَّة، خلال اللقاءات المباشرة، والاجتماعات المشتركة، والمذكِّرات المتتالية لرئيس الوزراء، ووزارة الماليَّة، لكن مقترحاتها ظلت تذهب أدراج الرِّياح، ولا تُعامل من الحكومة بغير التَّجاهل التَّام، وتغليب الرُّوشتَّات الخارجيَّة منعدمة العلاقة بواقعنا الاقتصادي، مِمَّا فاقم ويفاقم من التَّدهور المريع، وتدنِّي قيمة العملة الوطنيَّة، وانهيار الأوضاع المعيشية للجَّماهير!
في التَّفاصيل تجأر اللجنة بأنها ظلَّت ترفض، منذ البداية، تحرير أسعار المحروقات، والسِّلع الأساسيَّة، وتعويم الجِّنيه، وتخفيض سعر صرفه، وتحرير الجُّمركي؛ وبأنها لم تكتف بذلك، بل طرحت، منذ ديسمبر 2019م، البديل المتمثِّل في السِّياسات المتكاملة لحشد الموارد الدَّاخليَّة، حيث وجَّهت بتحقيق الولاية الكاملة لوزارة الماليَّة على المال العام، وبإعادة شركات المساهمة العامَّة للتَّحكُّم في عوائد الصَّادر، وبجذب مدَّخرات المغتربين لتقويَّة سعر صرف الجِّنيه، وبإنشاء التَّعاونيَّات لتحديد الأسعار، وتسهيل مراقبتها، وبالسَّيطرة على صادر الذَّهب، وبإيقاف التَّجنيب، وتجريمه، وبإصلاح النِّظام الضَّريبي، والجُّمركي، والمصرفي، وبالاهتمام بالموسم الزِّراعي، وبإصلاح القطاع الصِّناعي، وحلِّ مشكلة المواصلات. لكن الحكومة، حسب البيان، لم تحفل بتلك التَّوجيهات، ولو كانت فعلت لما نشبت الأزمة المعيشيَّة، ولما تفاقمت صفوف الخبز، أو الوقود، أو خلافه!
في السِّياق أشارت اللجنة لاجتماع مشترك انعقد الشَّهر الماضي (سبتمبر 2020م)، بحضور حمدوك نفسه، وبعض الوزراء، والمجلس المركزي للحريَّة والتَّغيير، انبثقت عنه لجان مراجعة للموازنة المعدَّلة التي ذكرت اللجنة أنَّها كانت قد رفضتها لقيامها على تحرير أسعار المحروقات، وتخفيض سعر الجِّنيه، وتحرير الدُّولار الجُّمركي عبر زيادته شهريَّا بنسبة 30%! وقالت إن اللجان عكفت على دراسة الموازنة التي قدمتها هبة علي، وزيرة الماليَّة المكلفة، فاتَّضح استنادها إلى أرقام زائفة (!) بقصد إظهار المنصرفات بأرقام أعلى من حقيقتها (!) والإيرادات بأرقام أقل من الواقع (!) بغرض تضخيم عجز الموازنة (!) لتبرير رفع أسعار المحروقات (!) وبعد أن حدَّدت اللجان الأرقام الحقيقيَّة للإيرادات والمنصرفات، في اجتماعات ضمَّت الماليَّة، والضَّرائب، والجَّمارك، والزِّراعة، وبنك السُّودان، والطاقة والتَّعدين، وغيرها، جرى التَّوصُّل لإمكانيَّة تخفيض المنصرفات للشُّهور ال 3 المتبقية من العام بحوالي 14 مليار جنيه، وزيادة الواردات بما يفوق 30 مليار جنيه، وتخفيض العجز إلى حدِّ السَّلامة المقدر ب 19 مليار جنيه فقط، دون حاجة لتخفيض سعر صرف الجِّنيه، أو لرفع أسعار المحروقات والسِّلع الأساسيَّة، مِمَّا اعتبره البيان هزيمة لدعاوي ضرورة تحرير أسعار المحروقات، وتحرير سعر الصَّرف، وزيادة الدُّولار الجُّمركي!
عند هذه النُّقطة بلغ البيان أقصى دراماتيكيَّته بقوله إنه، لمَّا تمَّ الفراغ من ذلك، استعداداً لطرحه في اجتماع يضمُّ الحكومة وقوى الحريَّة والتَّغيير للعمل بموجبه، فوجئت اللجنة بخطوة استباقيَّة «ماكرة»، فحواها إعلان أسعار خرافيَّة جديدة للوقود، في تجاوز للجَّهد المبذول، ولمقرَّرات المؤتمر الاقتصادي القومي، وللحاضنة السِّياسيَّة ولجنة خبرائها الاقتصاديِّين! واتَّضح أن الأمر لا يتعلق بعجز الموازنة، إنَّما بالاصرار على المضي في ذات السِّياسات الخربة للنِّظام المباد، والتي قادت إلى هذا التَّدهور المريع في الاقتصاد، وفي الأوضاع المعيشيَّة، تنفيذاً لالتزام مسبق بالرُّوشتَّات الخارجيَّة، دون الحصول على أيَّة معونات سوى الفتات، تعبيراً عن تخلي الدَّولة عن مسؤوليَّتها، وتقنين السُّوق الموازي، واستمرار المضاربات، والتَّنصُّل عن حملة محاربتها التي سبق أن أعلنت في مؤتمر صحفي، مِمَّا يؤدِّي إلى عدم استقرار أسعار السِّلع، وتكلفة المواصلات، وبقيَّة الخدمات، وبلوغها مستويات تفوق قدرة غالبيَّة الشَّعب، وعلى رأسها الصحَّة والتَّعليم.
وفي الختام توجه البيان بنداء إلى «جماهير شعبنا الوفيَّة»، مطالباً ب «انتزاع» الملف الاقتصادي من هذه المجموعة الفاشلة، و«تسليمه» للجنة، كي تطبِّق البرنامج الوطني لمعالجة الأزمة الاقتصاديَّة والمعيشيَّة، وتحريك الإنتاج الزِّراعي، والصِّناعي، والتَّعديني، وزيادة الصَّادرات.
تعليقنا على البيان هو أننا متيقِّنون من أن جذوة الثُّورة ما تزال متَّقدة برغم كلِّ «السَّجم والرَّماد»، وأن «جماهير شعبنا الوفيَّة» ما تزال ممتلئة حماساً للاستجابة لكلِّ نداء صادق، وبالأخص لجان المقاومة، شريطة أمرين:
الأمر الأوَّل: أن تتصدَّى قوى الحريَّة والتَّغيير لدورها القيادي باقتدار، ليس فقط عن طريق «اقتراح البدائل»، ولكن بتوضيح « إنفاذها»، وعلى رأس ذلك «الكيفيَّة الثَّوريَّة» لفرض «الولاية الكاملة لوزارة الماليَّة على المال العام»، علماً بأن 82% من هذا «المال العام» هو، الآن، بيد الشَّركات العسكريَّة والأمنيَّة، حسب بيان سابق لرئيس الوزراء، وذلك قبل أيِّ حديث عن سياسات متكاملة لحشد الموارد الدَّاخليَّة، بالسَّيطرة على صادر الذَّهب، أو بإصلاح النِّظام الضَّريبي، أو الجُّمركي، أو المصرفي، أو بجذب مدَّخرات المغتربين .. الخ.
الأمر الثَّاني: ألا تكتفي القوى التي طرحت نفسها، منذ البداية، قائدة للجَّماهير، بالمطالبة (تطالب مَنْ؟!) بانتزاع الملف الاقتصادي ووضعه في يد اللجنة (!) بل عليها الدَّفع، قبل ذلك، نحو تفعيل القانون الموضوعي والإجرائي لمحاسبة مَن بنوا الميزانيَّة «على أرقام زائفة (!) وتعمَّدوا إظهار المنصرفات بأرقام أعلى من حقيقتها (!) والإيرادات بأرقام أقل من الواقع (!) لتضخيم عجز الموازنة (!) وتبرير رفع أسعار المحروقات» (!) ثمَّ قطعوا الطريق أمام عن طريق «استباق ماكر بإعلان أسعار خرافيَّة جديدة للوقود، في تجاوز كامل للجُّهود التي بُذلت، ولمقرَّرات المؤتمر الاقتصادي القومي، وللحاضنة السِّياسيَّة، وللجنة خبرائها الاقتصاديِّين»!
الثُّلاثاء
من أندر الفعاليَّات التي أستطيع أن أشهد باطمئنان على نجاحها، كوني شاركت فيها شخصيَّاً، ورأيت، مثل الشَّمس، هذا النَّجاح الذي تكللت به في كلِّ لحظاتها، الورشة، لا «المفاوضات غير الرَّسميَّة» كما أطلق عليها خطأ، والتي جرت، الأسبوع الماضي، بفندق بالم أفريكا بجوبا، حول «علاقة الدِّين بالدَّولة»، بين ممثلين للحكومة الإنتقاليَّة، وممثلين للحركة الشَّعبية لتحرير السُّودان – شمال/ عبد العزيز الحلو، بمشاركة واسعة من مساعدي الطرفين، ومن خبراء وطنيِّين وأجانب، فضلاً، بطبيعة الحال، عن الوسطاء والميسِّرين، مجموعة السِّياسات والقانون الدَّولي العام، المركز الأفريقي للحلول البنَّاءَة للنزاعات، ومستشاري شركاء التَّنمية.
استغرقتنا كثافة هذا الحوار طوال نهارات الأيَّام من 29 أكتوبر إلى الأوَّل من نوفمبر 2020م. ورغم الشُّقَّة التي بدت، للوهلة الأولى، واسعة، والسُّخونة التي وسمت غالب المناقشات، إلا أن روح الاحترام المتبادل، مع الرَّغبة الصَّادقة في التَّقارب، وفي الوصول إلى منطقة وسطى، هو ما ساد، في نهاية المطاف، وطغى، لدرجة أن رئيس مجمع الفقه الإسلامي الجَّديد نفسه أبدى استعداداً مبدئيَّا للموافقة على استخدام مصطلح «العلمانيَّة» في التَّقرير الختامي، وإنْ بشروط جديدة، قبل أن يتمَّ الاتِّفاق على تغليب مفهوم «فصل الدِّين عن الدَّولة». ولعلَّ مِمَّا ساعد على سيادة ذلك الرُّوح المستوى الرَّفيع للمشاركات، والمداخلات، والأطروحات، والنَّماذج التي اتَّسمت بتَّنوُّع المصادر، وعمق التَّناول، والموضوعيَّة.
في النِّهاية أمكن للطرفين، بفضل حنكة المُيسِّرين، وجهد الخبراء، التَّوصُّل إلى صيغة من أندر صيغ التَّوافق، فحصدت الإجماع بالفعل، ولم يتبقَّ سوى التَّداعي إلى جلسة ختاميَّة لوضع حبَّة الكرز الأخيرة على كعكة الميلاد!
لكن في تلك اللحظة .. في تلك اللحظة، بالذَّات، ظهر الفريق أوَّل شمس الدِّين كبَّاشي الذي ظلَّ غائباً عن الورشة طوال أيَّام انعقادها، ولم يشارك في مناقشاتها، ولا مرَّة واحدة، ظهر ليعلن لجميع المشاركين، وفي مقدِّمتهم «مَلَكِيَّة» الحكومة الانتقاليَّة، رفْضه «العسكريَّ» الصَّارم لصيغة «الفصل بين الدِّين والدَّولة»، طالباً تبديلها بصيغة «علاقة الدِّين بالدَّولة!»، وهي صيغة لا معنى لها بطبيعة الحال، ورفْضه، بالتَِّالي، لكلِّ التَّفاهمات المحدَّدة التي وُفِّقت الورشة لإنجازها، رغم أنه كان قد أبدى، خارجها، ترحيبه بمخرجاتها! كما وأنه لم يكن مطلوباً منه قبولها أو رفضها، وإنما عرضها، فحسب، على الحكومة في الخرطوم للنَّظر في وزنها، والتَّقرير بشأنها!
على أيَّة حال «حَدَسَ ما حَدَسْ»! فصدرت، على الفور، وعن حق، ردود الفعل المستنكرة، بل والغاضبة، من الأطراف جميعاً، وهم يرون ثمار جهدهم تداس بالأقدام، خصوصاً إعلان أكثر من قيادي في الحركة الشَّعبيَّة عن أنهم، إزاء عدم الجِّدِّيَّة هذا، مستعدُّون حتَّى للعودة إلى المربع الأوَّل، مربَّع ما قبل اتِّفاق حمدوك الحلو بأديس أبابا، و .. لا تعليق!
الأربعاء
في محادثة هاتفيَّة، فجر الثُّلاثاء، الثَّالث من نوفمبر، أسعدني إبني وصديقي الرِّوائي الفذ عبد العزيز بركة ساكن، من العاصمة النِّمساويَّة، بتوقُّعه صدور إعلان، يوم الثُّلاثاء القادم، العاشر من نوفمبر، بنيله «جائزة الأدب العربي» الفرنسيَّة لهذا العام، 2020م، عن روايته العبقريَّة «الجَّنقو مسامير الأرض» في طبعتها الفرنسيَّة. فقد نمت علاقتي بها فصلاً فصلا، مذ كانت جنيناً في رحم إبداع بركة، حتَّى تخلقت، وشبَّت عن الطوق، وأضحت حسناء تنال الإعجاب، والثَّناء، والجَّوائز، ثمَّ شرُفت بالتَّقديم لطبعتها الإنجليزيَّة الصَّادرة عام 2015م، بترجمة المترجم البارع الصّديق عادل بابكر، عن دار Africa World Press بنيوجيرسي.
قيمة الجَّائزة 10 آلاف يورو، وقد أنشأتها، عام 2013م، مؤسسة جان لوك لاغاردير الفرنسيَّة، بالتَّضامن مع معهد العالم العربي ببارس، ليتمَّ، سنويَّاً، تكريم كاتب من دولة عربية أصدر عملاً أدبيَّاً حول واقع الشَّباب العربي، في لغة مولير، أو مترجَما إليها عن العربيَّة، رواية كان هذا العمل، أو مجموعة قصصيَّة، أو شعريَّة. كما دأبت مؤسَّسة لاغاردير على توفير منح دراسيَّة، في مجال الثَّقافة أو الإعلام، للمحترفين والمبدعين الشَّباب.
وقد درج معهد العالم العربي على دعوة المتنافسين، سنويَّاً، لتقديم أعمالهم، شريطة أن تكون منشورة خلال عام من ذلك، ويُعهد للجنة تحكيم من شخصيات وخبراء مختصِّين فنيَّاً، وثقافيَّاً، وإعلاميَّاً، بأن تقرأ هذه الأعمال، ثمَّ تحدِّد لمن تذهب الجَّائزة، كي يجري، في أكتوبر، تكريم الفائز في حفل يُنظّمه المعهد.
وسبق أن فاز بالجَّائزة، خلال سنواتها السَّبع، جبور الدويهي، عام 2013م، عن روايته «شريد المنازل»، بترجمتها الفرنسية، عن دار سندباد/دفاتر الجَّنوب؛ ومحمَّد الفخراني، عام 2014م، عن روايته «فاصل للدهشة»، بترجمتها الفرنسيَّة عن دار سوي، مع التَّنويه بروزا ياسين حسن على روايتها «حراس الهواء»، بترجمتها الفرنسية عن دار سندباد/دفاتر الجَّنوب؛ ومحمَّد حسن علوان، عام 2015م، عن روايته «القندس»، بترجمتها الفرنسية عن دار سوي، مع التَّنويه بعلي المقري على روايته «حرمة»، بترجمتها الفرنسيَّة عن دار ليانا ليفي؛ وإنعام كجه جي، عام 2016م، عن روايتها «طشاري»، بترجمتها الفرنسيَّة عن دار غاليمار، مع التَّنويه بخالد خليفة على روايته «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، ولياسمين شامي على روايتها «الموت افتتاناً»؛ كما فاز بها، عام 2017م، سنان أنطون، عن روايته «وحدها شجرة الرُّمَّان»، بترجمتها الفرنسيَّة، عن دار سندباد/آكت سود؛ وعمر روبير هاملتون، عام 2018م، عن روايته «المدينة تفوز دائماً»، بترجمتها الفرنسيَّة عن أصلها الإنجليزي، عن دار غاليمار، وهو الفوز الذي أثار جدلاً كثيفاً حول اللغة، وما إن كانت عنصراً أصيلاً، في الرِّواية، أم هامشيَّاً؛ وأخيراً فاز بالجَّائزة، العام الماضي 2019م، محمد عبد النَّبي، عن روايته «في غرفة العنكبوت»، بترجمتها الفرنسية عن دار سندباد.
وشدَّد بيار لوروا، رئيس لجنة التَّحكيم في دورة 2017م، على أهميَّة هذه الجَّائزة في منطقة تنوء، على حدِّ تعبيره، «تحت وطأة همجيَّة لم نعهدها إلا في أكثر مراحل التَّاريخ البشري حلكة، حيث تصبح أصوات المبدعين أساسيَّة، فعلينا إعلاء هذه الأصوات حتى لا تنطفئ، إنها أصوات لا تُهادن»!
الخميس
الظَّاهرة التي لا يمكن أن يخطئها إحساس أيِِِّ سوداني يزور جوبا، هذه الأيَّام، هي الحنين الجَّارف إلى ذكريات الشَّمال، والذي يكاد يشمل، من الأحباب الجَّنوبيِّين، الجِّيلين السَّابق والأسبق، على الأقل! أحد هؤلاء قضى أمسية بأكملها يحدِّثني، في بهو بالم آفريكا بجوبا، عن ذكرياته العزيزة تلك، وحنجرته تغصُّ بمزيج من الفرح والشَّجن، وهو الأستاذ ماجور بابور أجال، عضو المجلس التَّشريعي القومي الانتقالي لجمهوريَّة جنوب السُّودان، والرَّئيس السَّابق للجنة التَّعليم بالمجلس، والرَّئيس الحالي لشَّبكة جنوب السُّودان البرلمانيَّة للسُّكَّان والتَّنمية، والذي كان قد تخصَّص، مطالع الثَّمانينات، في اللغة العربيَّة بكليَّة الآداب بجامعة الخرطوم، ثمَّ اتَّجه إلى رفاعة، حيث التحق معلماً للغة العربيَّة والتَّاريخ بمدرسة الشَّيخ لطفي الثَّانويَّة، والتي يرنُّ اسمها رنيناً أسطوريَّاً لدى كلِّ من نزح من الجَّنوبيِّين، خلال سنوات الحرب، إلى الشَّمال، واستجار بتلك المدرسة لإنقاذ مستقبله الأكاديمي! قال لي ماجور: «هل تعلم أن لي بيتاً، ما يزال، وأسرة، برفاعة؟! لقد احتضنت مدرسة الشَّيخ لطفي آلاف الطلاب الجَّنوبيِّين، مثلما احتضنتهم بيوت رفاعة؛ ومن النَّادر ألا تجد اليوم وزيراً أو أيَّ مسؤول في دولة الجَّنوب من غير خرِّيجيها؛ وأقسم لك أنه لو انبنت العلاقات الإثنيَّة في السُّودان القديم على نموذج رفاعة وتلك المدرسة لما اختار الجَّنوبيُّون الانفصال»!
الجُّمعة
رغم يقيني بأن «المحاماة» من أشرف المهن، وأطهرها، إلا أنني أعتبرها، أحياناً، نقمة، على المستويين الدَّاخلي والعالمي! فداخليَّاً رأيت أحد كبار «المحامين» يستغلُّ معرفته بأزقَّة القانون لإسقاط بنوَّة إبنه الوحيد من إحدى زوجتيه، لمجرَّد إرضاء الأخرى! أمَّا عالميَّاً، فها هو ، لمَّا أفاق على الانتخابات توشك أن ترغمه على لملمة أغراضه، ومغادرة البيت الأبيض، لجأ إلى بعض «المحامين» ليساعدوه في تخريب العمليَّة الدِّيموقراطيَّة ذاتها، باستصدار قرار قضائي يوقف فرز الأصوات في عدة ولايات، استناداً إلى محض دعاوى واهية بلا أيِّ دليل!
السَّبت
بمناسبة «ورطة التَّطبيع» عاد الكلام يتجدَّد عن هويَّتنا: عربيَّة هي، أم أفريقيَّة، أم «خاطفة لونين»؟! من قال بالأولى تشدَّد في «رفض» هذا «التَّطبيع»، فلكأنَّه لم يقع على معنى أوسع ل «رفضه» مِن مجرَّد استهجان «الورطة»! ومن قال بالثَّانية انطلق يبرِّر بها «رفضه» ل «قبول» معنى «الورطة»، فلكأنَّه لم يقع على سبب غير «الأفريقانيَّة» ل «موالاة» الصَّهاينة! أمَّا من قال ب «اللونين» فلكأنَّما ارتجَّ عليه الأمر ولجَّ في البلبلة!
مهما يكن من أمر، فإن التَّفسير «العرقي» البحت ل «الهُويَّة»، ثم بناء الموقف «السِّياسي» على مثل هذا الأساس «الهُويوي العرقي»، لهو تفسير مغرق في «الخطأ»، لا من حيث «العلوم السِّياسيَّة»، فحسب، بل حتَّى من حيث علوم «الأحياء والوراثة» تأسيساً على آحدث الكشوفات في هذين العلمين.
فأمَّا لجهة «الأفريقانيَّة» فقد دحضت دراسة أنجزها، مؤخَّراً، فريق بحثي في جامعة الخرطوم، بقيادة د. هشام يوسف حسن، تحت إشراف البروفيسور منتصر الطيِّب إبراهيم، استعلاء معظم المستعربين السُّودانيِّين على الإثنيَّات الأخرى، استناداً إلى محض أوهام عن دونيَّتها! أجريت الدِّراسة على مجموعات بشريَّة مختلفة هاجرت إلى السُّودان في أوقات مختلفة، باستخدام العلامات الوراثيَّة عن طريق تحليل الحمض النَّووي DNA، بهدف التَّوصُّل إلى التَّركيبة الوراثيَّة لتلك المجموعات، وأصولها، وعلاقتها، وتأثيرات هجراتها، فكشفت عن أن ما يجمع جينيَّاً بين الأعراق السُّودانيَّة أكثر مِمَّا يفرِّق!
وأمَّا لجهة «العروبة» فإن كتَّاباً خليجيِّين لم يخفوا سخريَّتهم من إفراط المستعرب السُّوداني في إنكار غلبة العنصر «الأفريقي» على العنصر «العربي» في تكوينه، مِمَّا أورثه، في تقديرهم، «اضطراباً نفسيَّاً!»، من مترتِّباته «السُّلوك التَّعويضي» عند تعامله مع العرب لنيل استحسانهم (!) وساق أولئك من تلك المترتِّبات، إسفيريَّاً، مبادرة السُّوداني لتأكيد الاختلافات العرقيَّه في بلاده، مقترنة بالإشارة، في التَّو، إلى أن قبيلته من القبائل العربيَّة، وقد يصل بنسبها إلى قريش! كما ساقوا منها، أيضاً، محاولته الهروب من غلبة اللون الأسود، بتركيزه على تعدُّد ألوان السُّودانيِّين، بل وتأكيده، أحياناً، على انتمائه، شخصيَّاً، إلى جِّدَّة تركيَّة، أو إلى جذور مصريَّة، فضلاً عن مبالغته في إظهار ما يتمتَّع به من كريم الأخلاق، وحميد السُّلوك، أو مغالاته في الالتزام بتعاليم الإسلام، خصوصاً عندما يوجد في الخليج، أو إبراز دقَّة معرفته بالقضايا العربيَّة، والتَّفاعل معها، أو ترديده أن «الدِّراسات» أثبتت أن العامِّيَّه السُّودانيَّة هي أقرب اللهجات للفصحى، أو تكراره الحديث عن الدُّور السُّوداني في تضامن العرب، ونصرة قضاياهم! ومن أطرف ما ساقوا في هذا الإطار أن السُّوداني غالباً ما يتباهى لك بإعجاب نزار قباني بشعراء السُّودان، أو بحسن تذوُّق السُّودانيِّين للشِّعر، أو بانعقاد مؤتمر قمه اللاءات الثَّلاثة في الخرطوم، أو بزيارة أم كلثوم للخرطوم، أواخر السِّتِّينات، وتغنِّيها بقصيدة لشاعر سوداني، أو بتلقِّي الملك فهد تعليمه في السُّودان! ويستنتج هؤلاء، من كلِّ هذه المحاولات الدِّفاعيَّة المستميتة، أن الشَّخصيَّة السُّودانيَّة، خصوصاً في الخليج، متناقضة، يهابها الجَّميع، ويسخر منها الجَّميع، لأنَّها لا تتقبل نفسها، ولا تتصالح مع حقيقتها! بل آنسوا، في بعض المواقع، كفاءتهم ليمحضوا السُّوداني نصحاً بأن يكون كما هو، فلا يتصنَّع أيَّ شئ، ولا يبالغ في إظهار أيِّ شئ، ولا يغالي في تأكيد أيِّ شئ، لأنه ليس مديناً لأحد بأيِّ شئ، أو بانتزاع الإعجاب بأيِّ شئ، أو بإقناع أحد بعروبته، أو بأفريقانيَّته، أو .. بأيِّ شئ!
الأحد
أخي الكبير الإمام الصَّادق؛ أحيِّيكم من على البُعد، ويؤسفني ألا أجد، في ظرفكم الرَّاهن، غير هذه الكلمات المتواضعة أبعث بها إليكم من باب عيب الزَّاد الذي فضَّلوه على عيب سيِّده! لقد صدمت، حقَّاً، لدى عودتي من سفرة قصيرة، بوفاة بعض أصدقائي من المناضلين المخلصين، كعبد الرحمن دريسة وأسامة السيد الفيل، عليهما رحمة الله ورضوانه، مثلما صدمت بما أصابكم من رزيئة، أنتم وأحبابكم الأقربين. فأسأل المولى القدير أن يمطركم، وذراريكم، من كريم استجابته لدعاء محبيكم الكثر بأن يسبغ عليكم من ثوب الصَّحَّة أوفره، ومن فيض العافية أنضره، ويشفيكم شفاء لا يغادر سقماً، ولا يوفِّر ألماً. ولَكَمْ وددتُّ لو تيسَّرت لي عيادتكم، علِّي أردُّ بعض جميل لكم في عنقي بتكبُّدكم مشقَّة عيادتي حين كنت طريح فراش المرض، قبل سنوات، بالقاهرة. لكنِّي، على كلٍّ، ومع علمي بقوَّة إرادتكم، ومضاء شكيمتكم، أدرك أن المرج، في قول جلال الدِّين الرُّومي، لا يزهر إن لم يَبك السَّحاب، وإن بعد العسر يسرا، إن بعد العسر يسرا!
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار الإقتصاد السوداني - أَصْوَاتٌ لَا تُهَادِن !! .. بقلم: كمال الجزولي في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع سودارس وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي سودارس

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق