اخبار الإقتصاد السوداني - الجزيرة والكنابى و جدليّة التعايش .. بقلم: الياس الغائب

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
تعرفت على مشروع الجزيرة كموقع جغرافى فى بداية ثمانينيات القرن الماضى ، على يد إنسانٍ أجنبى غريب الوجه و اليد واللسان. أخذنى ذات صباح باكر تحديداً فى السادسة صباحًا من أمام البركس بجامعة الخرطوم عند كبرى النيل الأزرق، فى سيارة لاندروفر يقودها بنفسه، وانطلق بى لا يلوى على شىء ولم يتوقف إلا بضع دقائق فى مدينة الحصاحيصا عند مكتب يتبع لصحة البيئة، إلتقينا فيه مفتش الصحة، ثم واصل حتى تفتيش ودسلفاب. لم أكن أعرف يومئذٍ المنطقة ولا معنى تفتيش ولكن هكذا قيل لى وهناك عرفت " أبوسته و أبوعشرين " وهذه الجداول المائية التى تستخدم لرى المحاصيل الزراعية. يعتمد مشروع الجزيرة بصفة أساسية على الرّي الصناعي و على الأمطار. و يعرف هذا النوع من الرى بالرّي الإنسيابي ويعتمد علي مدى استواء سطح الأرض وانسيابها، وذلك من خلال شبكة من القنوات تتكوّن من ترعة رئيسة تتفرع منها جداول تعرف " بأبوعشرين ثم أبوستة " و قد تم تصميم هذا النظام ليعمل بنظام التخزين نهاراً. و يتم التحكم في حجم المياه وتوزيعها لمقابلة الإحتياجات المائية لمحاصيل الدورة الزراعية بواسطة عمال وأجهزة تشغيل مختلفة موزعة على طول هذه القنوات ..
معظم هذه الترع التى تروى الحواشات تتوقف عن الجريان و تجف بعد إنتهاء فترة الرى عدا قليل منها يعرف بالترع الصيفية لأنها توفر مياه الشرب لسكان القرى وهكذا أصبح لكل قرية فى الجزيرة ترعة صيفية تعتمد عليها كمصدر من مصادر المياه فى حياتها اليومية، تستخلص للشرب بعد معالجتها معالجة خاصة وترفع فى صهاريج عالية حتى أصبح لكل قرية صهريج و صار الصهريج معلماً من معالم القرية .
تم تخطيط القرى فى مشروع الجزيرة على مسافات متباعدة وعلى نسق نموذجى بحيث تكون البيوت على مسافة معقولة من الترع الصيفية حفاظاً عليها من التلوث بفعل الأنشطة الحياتية المختلفة من إنسان و حيوان. و فى كل قرية، تجد الصهريج والمدرسة الإبتدائية والشفخانة والمسجد والبنيّة "القبة". و بنمو القرى ونمو سكانها تمددت حتى تداخلت مع الترع الصيفية .. و لكن ... من هم سكان القرى الحقيقيين ؟ هم المزارعون أصحاب الحواشات و ملّاك الأراضى الذين يمتلكون الأرض و المحصول .
فى مواسم الحصاد يحتاج أصحاب الحواشات هؤلاء إلى أيدى عاملة مساعدة لمجابهة أعباء الحصاد الكثيرة المختلفة المنظور منها و غير المنظور، و لمّا كان ما يطلبونه من عمالة متوفراً فى غرب عمدوا إليها؛ لاستجلابها - أى العمالة - من هناك، استجلاباً مؤقتاً ينتهى بنهاية الموسم المعنى و من ثمّ تعود إلى ديارها و قراها، هكذا تبدو الصورة جميلة ومشرقة، ملّاك أرض يبحثون عن عمالة، وعمالة تبحث عن عمل وكل يذهب فى طريقه بعد نهاية الموسم. وهكذا فى كل موسم. أخلص العمال فى عملهم و أجادوه مهنة وتجردا وكان له مردود بالغ الأثر فى الإنتاج وفى أنفس أصحاب الحواشات حتى نشأت بينهم الإلفة و المودة. واستمر الحال حتى رأى بعض العمال البقاء بالمشروع بقاءً دائماً و أن لا معنى لرجوعهم لديارهم ثم العودة مرة أخرى فى موسم الحصاد خاصة وأن العمل فى الجزيرة متوفر وأن الجزيرة فى حاجة ملحة إليهم .
وجد هذا الرأي قبولاً لدى بعض أصحاب الحواشات خاصة أولائك الذين ليس لهم خيار آخر ورحبوا بالفكرة ورحبوا بهم سكاناَ بينهم واستضافوهم، ولكن أين ؟ لم يفسحوا لهم مكاناً فى القرية معهم كما يقتضى الحال وإنما بحثوا لهم عن مكان آخر خارج حدود القرية ولكن على مرأى منها وسط ترع المياه الصغيرة، مكاناً عشوائياً لا يصلح للسكن ومخالفاً للصحة و القانون، فأسكنوهم . كما أقامت السلطات البريطانية مساكناً مؤقتة للعمالة التى جلبتها، وهي على ثلاثة أنواع : كنابي قريبة من القرى، وأخرى بالقرب من وحدات التفتيش الزراعي، وثالثة بالقرب من قنوات المياه .. ومع الزمن تمددت تلكم المساحة العشوائية خارج القرية حين تكالب عليها الوافدون وتكاثروا بفعل الحياة والطبيعة، تلك كانت البداية ولكن حين جئت إلى المنطقة وتعرفت عليها وجدت أن النسيج الإجتماعى فى كل قرية من قرى الجزيرة يتكوّن من مجتمعين مختلفين، مجتمع المزارعين أصحاب الحواشات سكان القرية النموذجية ومجتمع العمال الوافدين سكان القرية العشوائية التى صارت تعرف باسمها الأجنبى Camp ثم كمبو، ثم كنبو، و تجمع كنابى . لا توجد فى الكنابى مياه صالحة للشرب. توجد مياه الترع و لكنها ملوثة وقذرة ومرتعاً لتوالد الآفات و الأمراض بأنواعها مما يصيب الإنسان كالبلهارسيا و الملاريا و الإسهالات المعوية .. لا توجد مراحيض ولا تجد موقع قدم فى محيط الترعة نظيفاً؛ لأنها أصبحت مكاناً و مسرحاً للغسيل والإغتسال وقضاء الحاجة وكل ما يخطر بالبال وما لا يخطر.
نصحني أستاذى الأجنبى ونحن نعمل معاً لإجراء بعض الدراسات الميدانية عن البلهارسيا فى بعض الكنابى حين إقتربنا من إحداها و قبل أن ندخله .. أن نشرب حتى الرواء من الماء النظيف البارد الذى نحمله معنا فى حافظة المياه المعدة لذلك و ذلك تفادياً لتناول ما يقدّم لنا أثناء الضيافة حين يستقبلوننا بالشربات وعصائرالليمون ونحن "عارفين البير وغطاها" ..
أستاذى هذا هو بروفسور أَلَان فِنِك Alan Fenwick أستاذ علم الطفيليات الذى إستعاره بروفسور معتمد أحمد أمين من بريطانيا العظمى فى سبعينيات القرن الماضى؛ للإستفادة من تجاربه فى مجال مكافحة البلهارسيا .. بروفسور فنك هذا عمل لأكثر من ثلاثين عامًا فى أفريقيا ثم عاد إلى بلده وأسس مؤسسة مبادرة مكافحة البلهارسيا بالإمبريال كلودج ..
(The Schistosomiasis Control Initiative (SCI), Department of Infectious Disease Epidemiology, Imperial College, London)
بدعم من مؤسسة بيل وميليندا قيتس (Bill and Melinda Gates Foundation)
كان يقول لى: "لا يمكن أن نرجو تعاونهم ونحن لا نتقبل ما يقدمونه لنا من ضيافة. لأننا برفضنا لطعامهم و شرابهم سوف نجعلهم يشكون فينا ومن ثمّ نفقد تعاونهم...". سألته : " ما الحل ؟؟" قال: حرصاً على مشاعرهم و تقديراً لضيافتهم و كرمهم و كسباً لودهم سوف أقول لهم بمجرد أن يستقبلوننا ونسلم عليهم بٌن بٌن " يقولها بلكنة محببة "ما دايرين موية دايرين بن أو شاى" "لأن عمل القهوة أو الشاى كما تعلم يتطلب غلى الماء، وغلى الماء يقضى على كل الميكروبات ...".
لا توجد فى الكنابى مدارس و لا رياض أطفال ، والأطفال لايجدون حظاً من التعليم المنظم ولكن هناك بعض الخلاوي كما أن عدد المواليد فى إزدياد بحكم الخصوبة العالية والتوالد الذى يأتى على فترات متقاربة و المفهوم السائد بأن الأطفال قوة إقتصادية وقتالية لا يستهان بها. وقد كان نشاطهم واضحًا للعيان .كانوا يكدحون ويعملون ويساعدون وينشطون فى كل شئ، حتى أصبح الكمبو خلية نحل من النشاط بالمقارنة بالقرية .. و طغت حركة الحياة فى الكمبو على القرية و أصبح الكمبو جاذباً لبعض مقدّر من شباب القرية و متنفساً إحتماعياً و وجهة للترويح والترفيه وقضاء الأمسيات ... حديثى هذا ينطبق على بداية الثمانينيات كما سبق ذكره و قبل مجيء الإنقاذ.
بدأ أهل القرى ينفرون من أهل الكنابى و يتهمونهم ببعض الإتهامات وينظرون إليهم نظرة دونية ويخشون على أولادهم من أن يتشبهوا بهم ويتمنون بل يطالبون بطردهم هذا من جانب ومن الجانب الآخر يرفض أهل الكنابى هذه النظرة الدونية و يستاؤون من التهم الباطلة وينكرونها جملة و تفصيلا ويتمسكون بأرضهم ومنهم من ولد فيها. وبدأت بعض الأصوات تنادى بالإنصاف وترفض الظلم وتطالب بحقوقها الإنسانية من صحة وتعليم وحياة كريمة ... و هكذا أصبحت الفوارق الإجتماعية تكبر بين المجتمعين و تكبر، و الهوة تتسع بمرور الزمن وتتسع حتى وصلت ما وصلت إليه.
و لكن ... ما المشكل ؟؟؟ جاء فى تأريخ الجزيرة ... أن جزءاً كبير من الأراضي التى أُنشأ عليها مشروع الجزيرة كان مملوكاً ملكاً حراً للمواطنين، حيث بلغت مساحة تلك أراضى بمشروع الجزيرة وامتداد المناقل 40% من جملة مساحة المشروع البالغة (2.200.000) فدان، في حين بلغت مساحة الأراضى الحكومية 60%، لذا لجأت السلطات البريطانية حينذاك إلى استئجار الأراضى المملوكة ملكاً حراً ، ايجاراً قسرياً من ملاكها و ضمها إلى الأراضى الحكومية حتى تتمكن من إقامة المشروع دون أن تلجأ إلى نزعها منهم، و ذلك لتخوفها من أن يؤدى ذلك الإجراء إلى ثورات و إضطرابات من قبل الأهالى، بالإضافة إلى تخوفها من فشل زراعة القطن، علاوة على التكلفة العالية للتعويضات المالية التي كانت ستدفعها لملاك الأراضى في حالة نزعها، و حٌددت الأجرة بواقع عشرة قروش (ريال) للفدان الواحد، وعلى هذا الأساس صدر قانون أراضى مشروع الجزيرة لسنة 1927م . إنتهى عقد الإيجار القسري هذا في مارس من العام 1967م ، وفشلت جميع الحكومات المتعاقبة منذ ذلك التاريخ في معالجة قضية ملاك الأراضي بمشروع الجزيرة على الرغم من اللجان العديدة التي أُنشِأت لذلك الغرض .
و قد مرت علاقة الإنتاج التي تربط المزارعين أصحاب الأرض والعمال بعدة مراحل : بدأت على أساس العمل بالأجرة فى مقابل القيام بالعمليات الزراعية "عمال يومية"، ثم تطورت علاقات الإنتاج لاحقاً و أصبحت شراكة بين الطرفين، يساهم فيها المزارع صاحب الأرض بتوفير الأرض، بينما يلتزم العمال بكل العمليات الزراعية كزراعة المحاصيل ونظافة الحشائش والإشراف عى عمليات الري وحصاد المحاصيل، و من ثم يتم تقاسم الأرباح وفق نسبة يُتفق عليها، والتي غالبًا ما تكون مناصفة بين الطرفين كما يتقاسمان تكلفة تحضير الأرض والضرائب والرسوم المفروضة من الدولة. ثم لاحقاً تطورت هذه العلاقة الى قيام العمال بتأجير الحواشات من أصحابها وزراعتها لمصلحتهم الخاصة خاصة بعد تدهور المشروع خلال حقبة الانقاذ، وهجر الكثير من ملاك الأرض بالمشروع للزراعة، وقيامهم بتأجير حواشاتهم إلى العمال من سكان الكنابي، بل أن بعضهم قام ببيع الحواشات إلى العمال فامتلك بذلك بعض العمال حواشات بمشروع الجزيرة .
هذا الإشكال ذو أصل سياسى، نشأ فى ظل تصور سياسى خاطئ، و لابد له من حل سياسى، بإيجاد صيغة تعايش سلمى بين المجتمعين فى قرية واحدة؛ و ذلك بدمج الكنابى فى المجتمع المحلى للقرى و إلغاء التمييز الواقع بينهم و بإعادة تخطيط القرى وإقامة مجمعات سكنية نموذجية بديلة تستوعبهم كلّهم. ويمكن تقليل العدد بتخيير بعض الأهالي إلى نقلهم إلى أقرب مدينة وتمليكهم مساكن فى مجمعات سكنية تقام فى تلك المدن .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار الإقتصاد السوداني - الجزيرة والكنابى و جدليّة التعايش .. بقلم: الياس الغائب في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع سودارس وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي سودارس

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق