اخبار الإقتصاد السوداني - تحدّيات التّنمية فيما بعد اتفاقية السّلام (2020) .. بقلم: عبدالرحمن صالح أحمد (ابوعفيف)

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
أثبتت التجارب الخاصة بإستراتيجيات التنمية منذ منتصف القرن العشرين, إنّه على الرغم من تحقق النمو الإقتصادى المتمثل فى زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى إلاّ أنّ مشكلات الدول قد تزايدت و زاد سوء الأوضاع فى معظم الدول , لاحقاً فى نهايات التسعينيات من القرن نفسه أُثبت أنّ النمو الإقتصادى لا يمكن أن يتحقق بشكلٍ مثالى إلا عبر التنمية البشرية . و أثبتت البحوث أنّ مساهمة رأس المال البشرى فى النمو أعلى مما تساهم به الموارد الطبيعية و رأس المال المادى, أقرب مثال أنّ كوريا الشمالية لا تمتلك موارد طبيعية لكن تمتلك رأس مال بشرى مؤهل بالتالى هى تتفوق إقتصادياً على كثير من الدول ذات الموارد الغنية. مسألة التنمية فى تتجاوز مفهوم المشاريع الطارئة التى خُصصت لرفع دخل الفرد و الدخل القومى كمعالجة سريعة للفقر, الفقر فى السودان يُعتبر فقراً هيكلياً فى أصله لا يمكن معالجته بمجرد إنشاء مشاريع بدون إستراتيجيات ممنهجة و دراسات جدوى "تخصصية", معالجة قضايا التنمية و محاربة الفقر تحتاج لكونسورتيوم من القطاع السياسى, المؤسسات الأكاديمية و منظمات المجتمع المدنى , و عدد من الأخصائيين للعلوم المختلفة ,للتعامل مع الخصائص الإجتماعية للفقر علاوة على أبعادها الإقتصادية. الفقر فى السودان لا يرتبط بشح الموارد, بل يرتبط بعوامل إجرائية, الطرق التطبيقية و كيفية تصور التنمية فى حدّ ذاتها بواسطة المستفيد و المؤسسات التنموية, ثقافة المجتمع أحياناً تشكل عنصراً من عناصر الفقر فى كونها تشكل عائقاً طبيعياً " مصائد الفقر" للوصول إلى الموارد المتاحة بالطرق السليمة.
أرتبط الفقر بقضايا التنمية بالتوازى, لكن البحوث و الدراسات الإنمائية تناولت الكثير عن الفقر النسبى, و يشير المختصون إلى أنّ المجتمع مهما بلغت درجة ثرائه يوجد به فقراء , حيث يبلغ نسبة الفقراء على هذا المستوى 40% من السكان الأقل دخلاً , بالتالى ظلت جهود التنمية عاجزة عن قضاء هذه الظاهرة بحكم أبعادها الإجتماعية غير المعيارية.
نتيجة لهذه الظروف المرتبطة بالوعى العام و لعدم وجود إستراتيجيات تنموية مضبوطة من قبل الدولة, نجد أنّ هناك إرتفاع فى نسبة إهدار الموارد الطبيعية, هذا الإهدار بدوره يزيد من نسبة التخلف الإقتصادى , مثلاً كان هناك أكثر 14 مليار متر مكعب فائضة عن نصيب السودان من مياه النيل تأخذها مجاناً منذ ,1959 لكن فيما بعد تقلص هذا الفائض, وما زالت مصر تستخدم هذا الفائض المتبقى كمخزون إستراتيجى, و هذا يرجع لعدم مقدرتنا على إستخدامه فى الإنتاج الإقتصادى , و بشكل تأويلى أستطيع أن أقول أنّ مصر كانت تقوم ( فى حارة السقايين) ببيع فائضنا من الماء , فنقوم نحن بشرائه بالكيلو جرام فى شكل طماطم و برتقال و خضروات اخرى, لكن الأسوأ من ذلك كله, أنّ هذه المياه تُعاد إلينا بعد إستخدامها عبر الصرف الصحى معباة فى هذه المنتوجات الزراعية , تم كشف هذه الفعلة بواسطة جهات أمريكية , وأُثبت أنّ مياه الصرف الصحى تحتوى على عناصر مسرطنة مما يزيد التكاليف الصحية و التى بدورها تعمل على زيادة الفقر فقراً.
من الأمثلة الحية للإنتكاسة التنموية فى السودان ما يُعرف بلعنة الموارد (resources curse):-
1- ظهور النفط فى غرب كردفان و إستغلاله, حقق وجوداً قاهراً كبديل إقتصادى مما شكل ضغط جزئيى على الثروة الحيوانية, ومع ذلك لم يحقق تنمية إجتماعية و بشرية فى الولاية , بل أدى إلى تدهور الأحوال الأمنية نسبةً لدخوله كعنصر جديد فى الحرب مع الحركة الشعبية و هو "صراع الموارد" , ثم حدثت نقلة نوعية لبعض قطاعات الإنتاج المحلية, حيث زاد الإعتماد على الإنتاج النفطى خصماً على الإنتاج الحيوى ( المرض الهولندى), و هذا ساهم فى تفكيك النسيج الإجتماعى وتسبب فى إضطراب إيكولوجى ( تغيّر نظرة الرعاة إتجاة ثروتهم الحيوانية من حيوية إلى سلعية), فى لحظة من اللحظات, تحولت المنطقة بدلاً من وجهة يقصدها الوافدون من كل صوب إلى ساحة وغى يفر منها بنوها.
2- بعض المشاريع ظلت تنمو فى الإتجاه المعاكس لأهدافها, و هى عملية تحّول سالبة للتنمية (negative transformation):- مثال ذلك مشاريع هبيلا بجنوب كردفان و سد مروى فى الولاية الشمالية , حيث أصبحت مشاريع هبيلا إحدى أسباب الصراع فى المنطقة بدلاً من تحقيق الإستقرار نسبة لعدم مراعاة الروابط الأمامية و الخلفية للمشروع (Back casting & fore casting). أما سدّ مروى لم يؤد الغرض المزعوم له ألاّ و هو الإمداد الكهربائى و رفع مستوى التنمية, و بالإضافة إلى كونه أدى إلى تشريد آلاف من أهالى المنطقة و فقدان مزراع النخيل , الحواشات و المنازل.
3- مقدرة الموارد على تجديد نفسها تلقائياً يتطلب علاقات إنتاج محددة مع المحافظة على الراوبط الإيكولوجية التلقائية و إلاّ سوف يحدث تشوهات فى الإنتاج و عدم مقدرة على التجدد , مثلاً علاقات الإنتاج الموروثة من الإدارة البريطانية فى مشروع الجزيرة ( المزارع – الدولة – القطاع الخاص) كانت علاقات زائفة و لم تجد عناية من الأنظمة اللاحقة لتجعل منها واقعاً يواكب مطالب المستفيدين ,و هى إحدى الأسباب التى أوصلت المشروع إلى الحالة الراهنة.
من أهداف هذا الطرح نداء للقائمين بالأمر وضع إستراتيجيات ممنهجة لتنفيذ مشروعات التنمية على المدي الطويل عن طريق تبنى منهج التنمية المستدامة الذى يرتكز على ست إستراتيجيات تحويلية أهمها: التعليم النوعى, الصحة والرعاية الإجتماعية, والثورة التقنية .من الملاحظ أنّ مسألة التنمية لم تُحظَ بطهور مُقدّر فى أجندة الحكومة الإنتقالية , و ربّما يرجع ذلك لتعدد جوانبه , وزارة التنمية و الرعاية الإجتماعية لم تكن كافية لرعاية تنمية ما بعد الصراع فى بلدٍ كالسودان , و خاصة أنّ التنمية مؤخراً صارت من المواضيع المعقدة لتشابك روابطها العلمية و المنهجية , تم إقتراح تكوين مفوضيات عديدة فى المسودة الدستورية إلاّ أنّ مسألة التنمية لم تكن واضحة فى هذه المسودة.
تبنت الأمم المتحدة أهداف التنمية ال 17 فى عام 2015, و أوكلتها لوكالاتها المتخصصة لتطبيقها فى مناطق الحوجة إلاّ أنّ هناك بعض الحلقات المفقودة فى عملية تنفيذها بشروطها المنهجية , تمثلت تلك الحلقات المفقودة فى 1- المستفيدين بسبب عدم المشاركة الفعالة و الدراية 2- الحلقة الوسيطة التى تتعامل مع المجتمع المستفيد.
يتوقع أن تتبنى الدولة مناهج التنمية "ما بعد الصراع" بعد توقيع إتفاقية السلام كحلقة من حلقات برنامج تطبيق التنمية التحويلية ( Transforming Development), لمواكبة أهداف التنمية المستدامة .هذا يتطلب مؤسسة إستشارية أو تنسيقية على المستوى القومى لتشارك فى تقييم و تقويم المشاريع التنموية المقدمة للتنفيذ. من خلال المعادلة الكبرى للتنمية التى تتمثل فى تنمية رأس المال الإجتماعى , البشرى, و المادى. على العموم الفترة ما بعد توقيع إتفاقية السّلام تُعتبر مرحلة محورية فى إنتقال السّودان إلى مرحلة أخرى فى مستويات الحوكمة , هذا التحول الإيجابى يتوقع أن يصاحبه تحول سلبى يتمثل فى مزيد من التفلتات الأمنية و فوضى السوق, و ما كانت حالات الإقتتال الأخيرة فى دارفور, جنوب كردفان و الشرق, إلاّ و هى من الظواهر المصاحبة لعملية التحول المحورى للدولة .
عبدالرحمن صالح أحمد (ابوعفيف)
رسائل الثورة (32) 1/9/2020
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
facebook:Abdurrahman Salih

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار الإقتصاد السوداني - تحدّيات التّنمية فيما بعد اتفاقية السّلام (2020) .. بقلم: عبدالرحمن صالح أحمد (ابوعفيف) في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع سودارس وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي سودارس

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق