اخبار الإقتصاد السوداني - هيا لنخلق من الفسيخ شربات .. بقلم: صلاح حامد هباش

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
المنظر العام لمداخل حلة يونس/غرب بربر وواجهاتها؛ قبل بضع سنوات خلت؛ كان منظراً غير لائق بهذه القرية، لا يناسب سمعتها ولا يتفق مع تاريخها التليد وماضيها العريق بل لا يرتقي إلى مكانة أبنائها المنتشرين في كل أصقاع الكرة الأرضية ويحتلون أرفع المناصب والوظائف. كان يحف هذه المداخل البؤس وتحتويها الأحزان المتمثلة في مناظر الخرابات والشراريم. هذه المناظر البائسة احتلت مداخل القرية الرئيسية من جهة ثم جهة الشمال فالشمال الشرقي. يُقال والعهدة على الرواة؛ أن هذه الخرائب هي بقايا أسواق موغلة في القدم؛ ويُرجع كبار السن والمعمرين في المنطقة تاريخ هذه الخرائب إلى العهدين التركي فالمهدوي. وهي واسعة من حيث المساحة؛ تتمدد لتحاصر القرية وتحيط بها إحاطة السوار بالمعصم. ويقول تاريخها بأنها كانت أسواقاً فاعلة، نشطة يأتيها روادها رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ويتقاطرون عليها فرادى وجماعات. لا يعرف الناس لها تاريخاً محدداً بل أن المعمرين في المنطقة لم يرونها وفضلاً عن ذلك رأوا أطلالها شاهدة عليها وروى لهم الآباء قصصاً وحكايات عن تلك الأسواق.
لعلها وحسب ظروف ذلك الزمن اقتصرت على المواد التموينية وربما الأقمشة بالإضافة إلى بعض الحرف اليدوية التي يحتاجها سوق تلك الحقبة. كان هنالك جناح النشارين الذين يقطعون الأخشاب حسب مقاساتها المطلوبة ثم يأتي سوق النجارين لتوفير وإمداد السواقي بما تحتاجه من سندقيق وتواريق واسلاجات وغيرها من متطلبات الزراعة ثم الحدادين لتصنيع المناجل والطواري والفؤوس وما شابه ذلك. هي في الحقيقة سوق أسبوعية، لها يوم محدد يحتشد فيه مواطنو القرى الممتدة على الشريط النيلي بالضفة الغربية لريفي بربر؛ كما تشهد أيضاً رواداً من الضفة الشرقية يأتون بالمراكب الشراعية. بها جناح لبيع الأغنام والأبقار والحمير وسوق للخضار يتصل بسوق الجزارة واللحوم.
مع مرور الزمن هُجرت هذه الأسواق وانطفأ بريقها وما عادت جاذبة كما كانت من قبل لتعُذر الوصول إليها في فصول الخريف ومواسم الفيضان؛ إذ يتعذر التنقل بفعل الخيران وعوامل الطبيعة ويعاني إنسان المنطقة مشقة التسوق في الأسواق البعيدة. ولذلك بدأت في التدهور التدريجي والكساد وربما ضعفت القوة الشرائية لدى المواطن. لذلك تحولت البنايات إلى خرائب وشراريم ولم تُقصر عوامل الطبيعة في زيادة الطين بلة فأحالتها إلى أطلال متصدعة الحيطان ومنهارة الأسقف.
كل هذه الأطلال والخرائب أضحت بالتالي مأوى للصُبار والفطائس ومأوى للجرذان والجقور كبيرة الحجم. وتمضي الروايات إلى أنها أصبحت مساكن للجن تشكل مصادراً للخوف والرعب وعدم الاطمئنان لا سيما في أذهان الأطفال التي باتت تختزن في ذاكرتها أبشع الصور. كثيرون يحكون الحكايات والقصص ويسردون فصولاً من معاناة الأهالي وبأن فلان صارعته الجنية واصطرع مع زوجها وتمكنت هذه الجنون من سلب ذلك الشخص حاجياته التي كان يحملها. يفيضون في الحكي وسرد القصص فتتضخم الصور في أذهان النشء فيصبح مجرد المرور بجانب هذه الخرائب هو ضرب من ضروب المجازفة وإلقاء بالنفس في التهلكة.
أيضاً لعبت عوامل الطبيعة والأمطار في سنين متأخرة دوراً لا يُنسى في زيادة حجم الخراب وتهديم المنازل بأطراف القرية. لعلها أزالت من الوجود مساكن بأكملها وتسببت في نزوح عدد كبير من الأسر ليتفرقوا أيدي سبأ في بقاع الدنيا. القرية في الحقيقة تقع جغرافياً بين خورين كبيرين يهددان أمن المواطنين في شهور الخريف ويحدث أن يتفاجأ الناس في ساعات متأخرة من الليل بأن مياه سيول هذه الخيران تداهمهم بكميات غير معهودة تنهار على إثر ذلك المنازل أمام أعينهم مما يزيد حجم الخراب وتضاف مساحات جديدة إلى المساحات الموجودة.
ظلت أوضاع هذه البشاعات على ما هي عليه عبر تاريخ المنطقة بل أنها تحولت مع الأيام إلى كوش ومزابل ومكان للنفايات ومكبات للأوساخ والقمامة. هكذا ازداد البؤس بؤساً وكآبة يبعث على الحزن ويستدعي ويوقظ التشاؤم والإحباطات من غفوتها لتسرطن صحو نسمات الشمال؛ لا سيما عندما تستنشق متكرفاً الروائح الكريهة النتنة المنبعثة من جثث الحيوانات الميتة والمتحللة. ظلت الأوضاع هكذا وتوالت العقود والسنوات إلى أن انبرى نفر كريم من صميم أبناء القرية لإحداث التغيير وإشعال الثورة في هذا البؤس. فكر وقدر هذا النفر "وهم من الذين يجاورون هذه الخرائب جغرافياً" فكروا في تحويلها إلى مروج خضراء ومزارع منتجة وبساتين مثمرة تدر دخلاً على المواطنين وتضخ أكسجيناً في شرايين مواطني القرية لتنهض بحياتهم وتحيل بؤس المناظر وكآبتها إلى خضرة باعثة على الأمل والتفاؤل وكامل الثقة في النفوس.
جاءت هذه الكوكبة من الشباب وقد عقدوا العزم على خلق التغيير وإحداث ثورة في هذه الخرائب تحدوهم الهمم العالية ويسوق خطاهم الإصرار ويدفعهم الطموح لإحداث التغيير والنهوض بهذه الرقعة الجغرافية. فكان زكريا والناجح وبدر الدين؛ ومحمد ميرغني وغيرهم من الكرام أبناء الكرام الذين يعزى إليهم هذا النجاح. جاءت معاول البناء والمعدات التقليدية المعروفة أولاً كالقصابيات؛ تسبقها البشريات وتنطلق زغاريد الفرح بميلاد جديد لهذه الخرائب. هذه المعاول اجتهدت أولاً في هدم ما تبقى من حيطان آيلة للسقوط كمرحلة أولى ثم تسوية الأرض وطرحها حتى يسهل انسياب الماء. وهكذا اختفت خرائب الأمس وتمت تسويتها وإزالة الأماكن التي تبدو عالية وتشكل عائقاً لعملية الري.
المرحلة الثانية كانت التروية الكاملة الشاملة لتلك الرقعة التي تمت تسويتها؛ فاهتزت وربت؛ تلك الأرض الغبراء القاحلة تنفست الصعداء وأخرجت حمماً من جوفها مودعة الجفاف والتصحر، مستبشرةً خيراً مهللةً ومكبرةً بأن القادم يحمل بين جانبيه جمالاً وألقاً وفتنةً. أعقب ذلك شق القنوات الرئيسية ورفع الجداول الفرعية ومن ثم قاموا بعمليات الحراثة وإقامة الأحواض. هؤلاء الشباب لم يستأجروا أحداً بل شمروا عن سواعدهم وبذلوا مجهودات خرافية في العمل المتواصل؛ تحولت بفضله منطقة خرائب الأمس إلى جغرافيا خضراء تتدفق مياهها في كل الاتجاهات وتستطيل خضرواتها ومنتجاتها لتحجب الرؤية وهكذا غرقت القرية بأركانها في بحر لجي من الجمال والخضرة.
ما أن رأى الأهالي والمواطنون هذه الخضرة والمياه المتدفقة حتى تسارعوا وتسابقوا يمدون الأيادي البيضاء الداعمة لهذه الجهود لتحقيق المزيد من النجاحات والإنجازات, أملاً في النهوض بإنسان القرية ولبناء الغد الأفضل لأجيالنا القادمة؛ فجاءت شاحنات الجامبو تحمل التبرعات السخية من الشتول وعينات الفاكهة فكان مشروع ومشتل أولاد حسن موسى والذي يعتبر بدايةً للنهوض والإنطلاق نحو آفاق التغيير وتعمير الخرائب وإعادة صياغة الحياة.
أيضاً من الإسهامات الباهرة الكبيرة ما عُرف في القرية بمشروع خالد للتشجير ومكافحة التصحر. وهو مساهمة من طيب الذكر المرحوم الدكتور الزراعي أحمد عبد الكريم. إذ أنه جلب عينات مختلفة من شتول أشجار الفاكهة والحمضيات وأسس بها هذا المشروع أو المشتل الذي أقامه في منزله كهدية للمزارعين والمهتمين بالتشجير والإسثمار ولتقليص مساحة التصحر وكبح جماح شهوته في التوسع. كان هذان المشروعان حافزاً كبيراً للمواطنيين لبستنة الأراضي المستصلحة حديثاً وتواصلت الجهود وامتدت لتشمل بعض الأراضي الزاعية داخل المشروع الرئيسي كما شملت أيضاً الكثير من المنازل في مواقع متفرقة من القرية. هذه الأشجار داخل المنازل تعطي منظر القرية بعداً جمالياً آخراً إذ تكسوها الآن الخضرة وتشرئب أغصانها سامقة متعالية الأفنان تتمايل طرباً مع نسمات السحر تبعث على الأمل وتبث الروح في الوجدان.
حقق هؤلاء الشباب نجاحاً باهراً ظاهراً وحققوا أيضاً َاً مقدرةً فالعين لا تخطئ الأعلاف والبرسيم والمنتجات الأخرى كالبصل والثوم. وفرة الأعلاف من قصب وبرسيم لعله من الأسباب التي تجعل الزبائن يتقاطرون عليهم فيشترون هذه الأعلاف للبهائم "يشترونها واقفة" أي أن المشتري هو من يقوم بعملية الحش والترحيل؛ ولعله يفعل ذلك ليقوم بأخذ حاجته تدريجياً. أعقب ذلك؛ التفكير الجاد في بستنة المساحات وغرس أشجار في أحواض البرسيم وصرف النظر عن زراعة الذرة. هؤلاء الشباب كانوا يستشيرون الخبراء الزراعيين من أبناء القرية ولم يبخلوا عليهم بالآراء والاقتراحات بل زودوهم بمعلومات علمية غاية في أهميتها لكي ينجح هذا المشروع وينمو ويتطور مع الأيام.
الآن وبفضل الله أولاً وتوفيقه ثانياً وثالثاً وبفضل مجهودات هذه الكوكبة من النشامى وما صاحب ذلك من عصف ذهني وتسخير للإمكانيات المتاحة؛ بفضل كل ذلك تحولت خرائب العصر التركي والمهدوي إلى بساتين وجنان تأخذ بالألباب. لا يكاد الإنسان يصدق أن ثورةً بهذا الحجم قد اندلعت لتقذف بتلك الخرائب وتلك الكوش والقمامات إلى مزبلة التاريخ وتحيل المكان حدائق غناء، تغمرها أنهار وشلالات من المياه، تصدح طيورها مغردة في الصباحات الباكرة وتعود بطاناً في العشيات. البرتقال سيكون هو سيد الموقف وفارس الساحة سيتنافس في شرائه كبار تجار الفاكهة الإجمالي قبل أن يستوي. فها هي الشتول قد قطعت شوطاً مقدراً من العمر المفترض لكي تحمل الثمار. عما قريب جداً سيكون منظر النيسانات مألوفاً لدى الجميع وهي تقف شامخة وبكل كبرياء مرفوعة الأنوف لتشحن مرات ومرات من هذه البساتين وينتشي سائقوها فيعزفون ألحاناً شجية مختلفة ذات معانٍ ودلالات في عالم ومجتمع السواقين وهم يتبادلون التحايا.
الآن الوضع يختلف كماً وكيفاً فقد تم تأمين أشياء في غاية الأهمية وهي الخضروات بأنواعها ثم العلف للبهائم فالألبان ومشتقاتها. وتتجه أفكار هذه المجموعة إلى التوسع أكثر فأكثر في ممارسة الزراعة المختلطة وتربية الأبقار الكنانية والأغنام في مساحات أخرى يجري استصلاحها الآن.
يجدر بالذكر أن هؤلاء الذين قاموا ا بهذا المجهود الجبار لهم أراضيهم الزراعية ويمتلكون حواشات في مشروع حلة يونس الرائد؛ وما قاموا به كان جهدا إضافياً لمسؤولياتهم اليومية الثابتة تجاه أراضيهم وغيرها من أعمال ومسؤوليات.
نزجي التحيات الطيبات مثنى وثلاث ورباع للشباب الناهض الذي قام بإعمار المنطقة الشرقية وهم زكريا محمد عبيد الله وزميله في ذات الحقل بدر الدين الطيب عبد الدائم ثم الكوكبة التي نهضت بالمنطقة الجنوبية ومداخل وواجهات القرية وهم محمد احمد صالح "الناجح" والتاج أحمد الأمين فالزمزمي حسن أحمد ونحي بشدة أخاه أبا القاسم.
في الجناح الآخر الجنوبي الشرقي تأتي مجموعة أخرى منها الباشمهندس محمد ميرغني وعصام علي الطاهر وحسن عبد النبي.
كذلك نزجي التحايا الصادقة للسادة عثمان محمد الطاهر وعبد السلام وسيد احمد شكاك
والتحايا كذلك مطبوقة للشاب الشهم صديق عثمان الريس الذي قام بإعمار الخرائب من الجهة الشمالية وهو من أهم مداخل وواجهات القرية.
لابد أيضاً من إزجاء الشكر وعاطر الثناء لأُولئك الجنود المجهولين والذين يقفون خلف هذه النجاحات؛ يبذلون جهوداً مباركة, يعملون في صمت, مضحيين بوقتهم وهم يدفعون هذا المشروع إلى الأمام بكل همة ونشاط وقد جعلوا الوطن وأهله تاجاً على رؤوسهم, لا ينتظرون مقابل مادي أو معنوي؛ ألا وهم اللجنة التنفيذية في تلك الأيام متمثلة في رئيسها محمد حامد وعضو اللجنة عصام علي الطاهر وبقية العقد الفريد من عضوية اللجنة. هذه الكوكبة لم يغمض لها جفن وهي تدفع بمركب هذا المشروع إلى الأمام يقاومون التيار رغم ضراوة الموج والرياح.
متمثلين بقول الشاعر الدكتور ود بادي في رثاء حميد:
وإنت مخوي نص الليل مباري القبف
حارس النيل
وتطعن في تماسيح الزمن والزيف
معاكس الموج وضارباك الرياح الهوج
والمركب تلوج وتلوج وتدفر فيها لا قدام
لا كليت ولا مليت ولا اتمديت ولا انجميت
وتدفر فيها لا قدام ولا قدام
نحييهم بشدة فقد كانوا سنداً وعوناً وركيزةً لكل ذلك.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق