اخبار الإقتصاد السوداني - الموازنة و إصلاح وعودلة وترشيد إدارة الدولة السودانية .. بقلم: سعيد أبو كمبال

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
كتبت مقالين فى الأيام القريبة الماضية حول موازنة حكومة القومية للعام 2020 وكان المقال الأول بعنوان: ( موازنة أو ميزانية العشم أو موازنة حكومة السودان القومية للعام 2020.) والمقال الثانى بعنوان: ( ما يجب أن تكون عليه موازنة حكومة السودان القومية للعام 2020 .) والمقالان متاحان فى بعض الصحف السودانية الألكترونية مثل سودانايل و سودانيزأونلاين والراكوبة. وقد تبين لى بعد النقاش مع بعض الناس إن الحالة السودانية تتجاوز موضوع الموازنة إلى ما هو أكبر منها بكثير. هناك ضعف كبير فى الوعى بالقضايا الكبيرة المتعلقة بإدارة الدولة. ويعود هذا الضعف فى تقيرى إلى الإستبداد والكبت خلال الثلاثين عاماً من حكم الإنقاذ غاب فيها التعبير الحر والجريئ وغاب فيها الحوار والتناظر المباشر والحر والمفتوح الذى يشارك فيه الصغير والكبير.وقد سعدت بمبادرة شباب لجنة مقاوقة حى المهندسين بأدرمان بتنظيم ندوة حول الموازنة فى مساء يوم السبت الرابع من يناير 2020.وأرجو أن تواصل لجنة مقاومة حى المهندسين مثل هذه الندوات وتحذو حذوها لجان المقاومة على نطاق السودان . لأن مثل هذه الندوات تتيح منابرة مفيدة للتنوير والمشا ركة فى مناقشة القضايا العامة وخاصة حول شعارات ثورة سبتمبر 2018 أو الحريه والسلام والعدالة. ما المقصود بتلك الشعارات وكيف تترجم إلى واقع يعيشه الناس.لأن هناك اليوم من يصيح صياحاً عالياً بشعارات الثورة ويصر فى نفس الوقت على السير فى طريق نظام الإنقاذ. طريق الفساد والظلم والضلال. ماذا أعنى بعنوان هذا المقال؟
هو تحويل الشئ أو السلوك من الفساد إلى الصلاح .وكلمة عودلة نجرتها من عندى وأقصد بها تحويل الشئ أو السلوك من الظلم إلى العدل وهى غير مألوفة وقد يحتج البعض بأن هذا تصريف لا يجوز لكلمة عدل .وقد فكرت فى إستخدام كلمة تقويم ولكننى وجدت أن كلمة عودلة أصدق تعبيراً عن ما أقصد. والترشيد تحويل الشئ أو السلوك من الغى أوالضلال إلى الرشد.ونحتاج إلى إلقاء نظرة فاحصة وعميقة وناقدة لحالنا وسلوكنا الموروث من نظام الإنقاذ فى إدارة الدولة السودانية بقصد إصلاحه وعودلته( إقامته على العدل) وترشيده.وأريد أن اتحدث فى هذا المقال عن مظهر واحد من مظاهر الفساد والظلم والضلال فى إدارة الدولة السودانية خلال سنوات الإنقاذ وهو إهدار المال العام فى دعم إستهلاك الرغيف والبنزين والجازولين لأن ذلك الإهدار فساد وظلم وضلال.
ما هو المعنى الإقتصاى لكلمة دعم؟
يعنى الدعم فى حالة دعم الإنتاج ،قيام شخص ما مثل الحكومة بتحمل جزء واكرر جزء من تكاليف إنتاج سلعة أو خدمة أو شراء السلعة أو الخدمة بسعر أعلى من سعر بيعها بدون تدخل الحكومة( مثل شراء حكومة السودان للقمح من مزارعى الجزيرة ) وذلك بقصد تشجيع المنتج على مباشرة الإنتاج أو مواصلته.وفى حالة دعم الإستهلاك تقوم الحكومة بتحمل جزء من تكاليف إنتاج السلعة أو الخدمة لكى تتاح السلعة أو الخدمة للمستهلكين بسعر أقل من سعر بيعها بدون تدخل الحكومة.وتقوم حكومة السودان بدعم الرغيف والبنزين والجازولين والكهرباء عن طريق بيع الدولارات التى تحصل عليها الحكومة من بيع مشتقات النفط السودانى ومن رسوم عبور نفط دولة جنوب السودان ومن المنح والقروض واية مصادر أخرى بيعها بسعر يقل كثيراً عن السعر الرسمى للدولار المحدد من قبل الحكومة؛ ويقل أكثر بكثير من سعر فى السوق التى يبيع فيها المغترب وأى شخص آخر دولاراته وهى السوق الموازى .وتقوم الحكومة بضرب الفرق بين السعر الذى باعت به والسعر الرسمى وارجو أن تلاحظ أيها القارى الكريم الفرق بين السعر الذى باعت به والسعر الرسمى وليس سعر السوق، ضربه فى عدد الدولارات وتقول أن ذلك هو الدعم. وبناءً على تلك التضريبات تقول الأرقأم الرسمية أن حجم الدعم كان (13) مليار جنيه سودانى فى عام 2017( بالجديد) و(64) مليار جنيه فى 2018 و(62)مليار جنيه فى 2019 ويتوقع أن يرتفع حجم الدعم إلى (265) مليار جنيه فى 2020 . ولكن هذه الأرقام مضللة وتوضح جزء من الدعم وليس كل الدعم . لأن السعر الرسمى للدولار سعر إعتباطى ليس له أى أساس ولا يوضح الحجم الحقيقى للمال الذى خرج من الخزينة العامة بسبب الدعم. والرقم الحقيقى للدعم هو الفرق بين السعر الذى باعت به الحكومة الدولارات والسعر الذى كان يمكنها أن تبيع به وهو سعر الدولار فى السوق الموازى ؛ مضروباً فى عدد الدولارت.وعليه فإن الأرقام التى تظهر أعلاه يجوز أن يزاد كل منها بنسبة على الأقل (30)% ليكون قريباً من الحجم الحقيقى للدعم.وهو دعم شامل يعم الغنى والفقير والسودانى والأجنبى.ولذلك كنت ولازلت أقول إن ذلك الدعم يمثل أبشع أنواع الفساد والظلم والضلال فى إدارة الدولة السودانية.ولكن الشئ المؤسف أن هناك من ينكر وجوده مثل المهندس البعثى عادل خلف الله نائب رئيس اللجنة الإقتصادية لقوى الحرية والتغيير.
لماذا الدعم فساد؟
دعم إستهلاك الرغيف والبنزين والجازولين والكهرباء المعمول به فى عهد الإنقاذ ومستمر حتى اليوم رشوة سياسية مكشوفة القصد منها إسترضاء سكان المدن وخاصة سكان العاصمة أصحاب العضلات لكى ينعم الحكام بالجلوس المريح على الكراسى. والدعم ظلم صريح.
لماذا الدعم ظلم صريح؟
الذى لا يستهلك السلعة أو الخدمة المدعومة لا يستفيد من الدعم. واليوم تباع قطعة الرغيف زنة (40) جرام بجنيه واحد فى الخرطوم وتباع بثلاثة جنيهات فى وطنى الفرشاية وفى الدبيبات القريبة منها وطن رئيس مجلس الوزراء عبدالله آدم حمدوك .والذين يستهلكون يتفاوتون فى الفائدة لأن ألذى يستهلك كمية كبيرة أو أكبر من الشخص الآخر يستفيد أكثر من الدعم.وفى سودان اليوم يستفيد من دعم الرغيف سكان المدن وخاصة الذين يملكون المال لإستهلاك كميات كبيرة وهم مياسير الحال؛ الأغنياء وأفراد الطبقة الوسطى.والذى يستفيد أكبر من دعم البنزين والجازولين هم الذين يملكون سيارات خاصة ويستهلكون الكهرباء ويستخدمون المكيفات.والطبقة الستفيدة فلئدة كبيرة من الدعم تشكل نسبة ضئيلة جداً من مجموع سكان السودان ( قد لا تزيد عن 10%) .وهؤلاءهم الذين يستفيدون من المليارات المذكورة أعلاه ويحرم الفقراء من التعليم المجانى والعلاج المجانى وفرص العمل المنتج ويكتوون بنار الغلاء عندما تضطر الحكومة إلى طباعة وإصدار الجنيهات السودانية لتغطية عجز الموازنة ( كان معدل التضخم (18)% فى 2016 و (32)% فى 2017 و(73)% فى 2018 و يقدر فى مشروع الموازنة بمعدل(54)% فى 2019. ) والدعم ضلال وغى فظيع.
لماذا الدعم ضلال فظيع؟
يشجع الدعم الزيادة وربما الإفراط فى إستهلاك السلعة المدعومة بدل ترشيد الإستهلاك ويشجع التحول من إستهلاك السلع غير المدعومة مثل الدخن والذرة إلى إستهلاك السلعة المدعومة و يشجع التهريب إلى الدول المجاورة .والدعم إهدار للمال العام يصعب على أى شخص راشد تصديقه. مثلاً فى العام 2016كان الصرف على التنمية (6.5)مليار جنيه سودانى وكان الدعم فى نفس العام (9)مليار جنيه.وفى العام 2017 التنمية (5)مليار جنيه فقط والدعم (13) مليار جنيه وفى العام 2018 كان الصرف على التنمية (7)مليار جنيه والدعم (64)مليار جنيه.وحسب مشروع موازنة قوى الحرية والتغيير التى تصر على الإبقاء على الدعم يتوقع أن يكون الصرف على التنمية فى 2020 مبلغ (44)مليار جنيه والدعم (265)مليار جنيه أى يساوى الدعم (6)أضعاف الصرف على التنمية وبلادنا تعانى من إنهيار شبه كامل للبنيات التحتية. فهل هناك ضلال فى كل هذه الدنيا أكثر من ضلال السودانيين؟
نحو موازنة تقوم على الصلاح والعدل والرشد:
قلت فى المقالين المشار إليهما أعلاه أن موازنة الحكومة القومية للعام 2020 غير واقعية ومفرطة فى التفاؤل فى جانب الإيرادات ولاتوجد سياسات واضحة وأولويات للإنفاق تخاطب أهم التحديات الإفتصادية اليوم وهى فى تقديرى الغلاء والبطالة والإنهيار شبه الكامل للبنيات التحتية. ومن الأمور المهمة جداً فى وضع الميزاية مراعاة أن تكون أرقامها واقعية وتقوم على الأداء الفعلى للإيرادات فى الماضى القريب وأن تكون معقولة ولا تقوم على الشطحان فى الأحلام والإسراف فى التفاؤل ولا على الوعود. وتقول ارقام الموازنة أن إجمالى إيرادات الحكومة القومية يتوقع أن يصل إلى (611)مليار جنيه سودانى(بالجديد) فى 2020 وبزيادة مقدارها (275)% مقارنة مع إجمالى إيرادات العام 2019 .وتقول الموازنة أن نسبة (47)% من إجمالى إيرادات العام 2020سوف يكون إيرادات ذاتية وباقى الإيرادات أو (53)% من إجمالى الإيرادات منح أو يتوقع أن يأتى أكثر من نصف إجمالى الإيرادات من خارج السودان فى شكل منح نقدية وعينية. ويتوقع أن يبلغ إجمالى إنفاق الحكومة القومية فى العام 2020مبلغ (671) مليارجنيه منها (93) % صرف جارى على تشغيل أو تسيير المؤسسات والأجهزة والمرافق الحكومية و (7)% فقط من إجمالى الإنفاق الحكومى فى العام 2020 على التنمية أو تعزيز الطاقات الإنتاجية. ويتوقع أن يكون عجز موازنة العام2020 مبلغ (60) مليار جنيه أو نسبة(9)%من إجمالى الإنفاق العام للحكومة القومية . وسوف يمول العجز بطباعة وإصدار الجنيهات السودانية وزيادة نار الغلاء إشتعالاً.ويتوقع أن يستنفز دعم إسهتلاك البنزين والجازولين والقمح والكهرباء مبلغ (265) مليار جنيه
وقلت إننى أتوقع أن تكون إجمالى إيرادات الحكومة فى العام 2020 مبلغ( 196)مليار جنيه إيرادات ذاتية زائداً (169) مليار جنيه منح لتكون إجمالى الإيرادات مبلغ (365) مليار جنيه وليس المبلغ المتوقع فى مشروع الموازنة وهو (611) مليار جنيه.
وقد قمت بإعادة حساب توقعات الإيرادات والإنفاق على ضوء الإشارات المرسلة من وزير المالية والتخطيط الإقتصادى بأن الحكومة سوف تستبدل نظام الدعم الحالى بنظام يستهدف الموطنين السودانيين المستحقين للدعم.وينطوى ذلك على الآتى :
أولاً إستبعاد أو خصم المبلغ المرصود للدعم و هو(265)مليار جنيه من الإنفاق الجارى لينخفض الإنفاق الجارى من (624)مليار جنيه، ينخفض إلى (359)مليار جنيه.
وثانياً فى حالة بيع الدولارات التى كانت تذهب إلى الدعم بسعر السوق سوف يرتفع المبلغ الذى يجب ان يضاف إلى الإيرادات الذاتية بنسبة (30)% على الأقل ليكون (344)مليار جنيه بدل (265)مليار جنيه . وعند إضافة ذلك المبلغ أى (344) مليار الإيرادات الذاتية الواقعية وهى (196)مليار جنيه سوف ترتفع الإيرادات الذاتية إلى (540) مليار جنيه.
وثالثاً سوف تغطى الإيردات الذاتية الإنفاق الجارى المذكور فى أولاً أعلاه ويتبقى منها فائض مقداره (181)مليار جنيه يمكننا صرفه فى التنمية.ويعنى ذلك إنتفاء الحاجة لطباعة وإصدار الجنياهت لزيادة نار الأسعار إشتعالاً وإنتفاء الحاجة للإقتراض من المؤسسات المالية والجمهور ومزاحمة القطاع الخاصcrowdout .وسوف تكون المنح خير وبركة ننفقها كلها فى التنمية وإعادة تشييد البنيات التحتية شبه المنهارة تماماً وإزالة خوانق الإنتاج لكى ينطلق القطاع الخاص ويوفر فرص العمل المنتج ويزيد الصادرات.وأتوقع أن ترتفع الإيرادات الذاتية بنسبة مقدرة فى حالة تحرير سعر صرف الجنيه السودانى وبيع الدولارات التى تحصل عليها الحكومة من تصد ير المشتقات النفطية ورسوم عبور نفط دولة جنوب السون ومن المنح والقروض الخ؛ بيعها بسعر الدولار فى السوق الحر.
وعلى قوى الحرية والتغيير تنوير الناس ورفع درجة إستعدادهم لتحمل أية صدمة قد تحدث بدل وضع المتاريس فى طريق الإنتقال إلى الصلاح والعدل والرشد والإعتماد على الذات وإستقلال القرار السودانى.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق