اخر اخبار لبنان : لماذا لم تعد المواجهة الحالية صالحة؟

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة

النتيجة هي الأساس والجوهر في كل شيء، وهذا لا يعني انّ الجهد الذي يقوم به الفرد أو الجماعة لن يكون موضع تقدير في حال لم يؤد إلى النتيجة المطلوبة، لأنّ الجهد واجب كل إنسان يسعى إلى التقدّم وواجب كل جماعة تسعى إلى تحسين ظروفها وتطوير أوضاعها، وكل جهد سيؤدي في نهاية المطاف إلى النتيجة المتوخّاة، إلا انّ الأمور تُقاس بخواتيمها دائماً، وهذه سنّة الحياة، فلا يكفي ان يدرس الطالب، إنما المهمّ ان ينجح، ولا يكفي ان يستعدّ فريق سياسي جيداً للانتخابات النيابية، إنما المهمّ ان يحقِّق الفوز المنشود، وهكذا دواليك.

وانطلاقاً من انّ النتيجة هي الأساس، فالمقولة الأخرى التي تنطبق على واقع الحال هي «أكل العنب وليس قتل الناطور». فعَدا عن انّ القتل لا يجوز، إنما الهدف هو أكل العنب، ولا فائدة ولا مصلحة بتضييع هذا الهدف، بل يجب حَصر كل التركيز على ما هو مطلوب، وإذا كان أكل العنب متعذّراً بطريقة معينة فيجدر البحث عن وسيلة أخرى تؤدي إلى الغرض نفسه وليس تضييع الهدف.

والغاية ممّا تقدّم إسقاطه على واقع الحال في ، إذ مهما تعدّدت الأسباب فالدولة مغيّبة، ولا يهمّ إذا كانت مغيّبة عن يد النظام السوري او «حزب الله»، لأنّ النتيجة واحدة، ولا ينفع بشيء البحث عن الأسباب المعروفة أساساً، بل المفيد هو البحث في كيفية إعادة الاعتبار لدور هذه الدولة تجنّباً لاستمرار المراوحة القاتلة التي يستفيد منها حصراً من يغيِّب هذه الدولة تنفيذاً لأجندته السياسية التي تتناقض مع وجود دولة.

وإذا كانت الوسيلة المعتمدة لتحرير الدولة من خاطِفها وصلت إلى الحائط المسدود، فلا بأس من البحث عن وسيلة أخرى ولكن شرط التمسُّك دائماً بالثوابت والمسلّمات من أجل ألا تتناقض الوسيلة مع القناعات الفكرية، وان يتذكّر الجميع دائماً أنّ المطلوب في النهاية أكل العنب وليس تضليل الهدف بقتل الناطور.

وفي أيّ صراع مُزمن كالصراع اللبناني، يجب تَوسُّل كل الوسائل الممكنة تحقيقاً للهدف المَرجو وهو قيام الدولة الفعلية التي يستعيد عبرها البلد استقراره وازدهاره، ومن دونها سيبقى مأزوماً، وتبديل أسلوب المواجهة لا يعني بدوره انّ النتيجة ستكون مضمونة، ولكن الواجب الوطني يستدعي التفكير دائماً بأساليب جديدة تقود إلى فتح الطريق المقفلة أمام الوصول إلى الدولة، بينما الاكتفاء بأسلوب واحد اعتادَ عليه الخصم يُفقد أصحابه القدرة على المناورة والمبادرة ويجعلهم في موقع المُتّكئ على تطورات غير منظورة، لأنه «لو بَدها تشتّي كانت غَيّمت».

فالمواجهة السياسية التي تُخاض مع «حزب الله» منذ العام 2005 هذا هو سقفها وهذه هي حدودها وتتراوَح بين تحقيقه لجولة وخسارته لأخرى، على غرار ما حصل في الانتخابات النيابية الأخيرة التي فقد فيها أكثريته النيابية وتراجعَ حضوره في كل البيئات اللبنانية الطائفية وغير الطائفية، ولكن ايّ مراجعة للأحداث منذ الخروج السوري من لبنان تُظهِر انّ الحزب كان يتقدّم حيناً ويتراجع أحياناً، إلّا انّ هذا التراجع لم ولن يقود إلى تسليم سلاحه للدولة، ما يعني البقاء ضمن حَيّز الكرّ والفرّ وتسجيل النقاط. وبالتالي، ربح الجولات ضمن إطار المواجهة القائمة سيُبقي الوضع ضمن هذا الإطار، اي أنه لن يقود إلى ربح الجولة الأخيرة، والمستفيد دائماً هو الحزب الذي يحتفظ بسلاحه ويواصِل دوره.

وقد تنقّلت الأزمة اللبنانية من تسوية إلى أخرى، ومن محاولة إلى أخرى، وقد جرِّب كل شيء تحت هذا السقف من دون جدوى، وهذا الأسلوب الكلاسيكي للمواجهة مشروع وهو قائم على مبدأ الصمود في الداخل وعدم الرضوخ لـ»حزب الله» ورفض تسليمه مفاتيح البلد بانتظار متغيّرات خارجية يتم التقاطع معها من أجل دفع مشروع الدولة قُدماً على غرار تقاطع الداخل مع الخارج الذي قاد إلى إخراج الجيش السوري من لبنان، والمتغيرات لا تعني دائماً خيارات عنفية، إنما قد تكون ناتجة عن تسوية أميركية-إيرانية واستطراداً سعودية-إيرانية تؤدي إلى تغيير طهران لدورها في المنطقة من الدور الأمني إلى الدور السياسي.

ولا بأس من مواصلة هذه المواجهة الكلاسيكية في حال لم يكن هناك من خيارات أخرى، ولكن هل تمّ التفكير في وسائل وأساليب أخرى؟ وهل من يعتقد انّ هذه المواجهة التي وصلت إلى أوجها في زمن 8 و 14 آذار ولم تؤدِ إلى الهدف المنشود ستُفضي لاحقاً إلى ما لم يتحقّق سابقاً؟ بالتأكيد كلا، فهذه المواجهة أعطَت ما عندها، وهذا هو سقفها وحدودها، والمستفيد منها هو «حزب الله» الذي ينحصر اهتمامه بالاحتفاظ بسلاحه ودوره، وهذا النوع من المواجهات قد يُربكه ويزعجه بشكل أو بآخر، ولكن لا يمكن ان يؤدي في أيّ يوم من الأيام إلى تسليم سلاحه.

فالوقت يمرّ والهدف الأساس المُتمثِّل بالدولة ما زال بعيد المنال، وأصبح من الضرورة التفكير بداية بأساليب مواجهة مختلفة قد تقود او لا تقود إلى الهدف المنشود، وعدم المحاولة خطيئة، لأنّ الهجرة تتواصَل والنزف يستمر والستاتيكو النزاعي يتناسَب مع «حزب الله» طالما انه لن يؤدي إلى خسارته لسلاحه ودوره. وبالتالي، كل القوى المعنية بالدولة والسيادة والازدهار ووَقف الهجرة مدعوّة إلى التفكير من خارج يومياتها السياسية التي تسجِّل فيها المواقف على بعضها الوقت من دون ان تحرز اي تقدُّم في المواجهة المركزية.

وليس صحيحاً انّ الأفكار غير موجودة، ولكن هناك من يصرّ على المواجهة نفسها، ويصرّ على رفض التواصل مع غيره الذي يتقاطَع معه في المشروع والأهداف، ويصرّ على عدم المبادرة في اي اتجاه، ويصرّ على المزيد من الشيء نفسه، وهذا المزيد سَقفه معروف وحدوده معروفة ونتائجه معلومة، وما لم يُصَر إلى تغيير أسلوب المواجهة فهذا يعني الاستمرار بين حَدّي الانهيار تحت سقف «حزب الله»، او التسوية تحت السقف نفسه.

فالمواجهة الكلاسيكية جرِّبت، ويجب مواصلتها طبعاً إلى حين التفكير بمواجهة جديدة تكون أكثر فعالية وتؤدي إلى مزيد من تعزيز الصمود ودفع مشروع الدولة قُدماً، والناس الغارقة في وحول الفقر والجوع والهجرة لم تعد تكتفي بتسجيل المواقف والنقاط، إنما تريد الوصول إلى دولة واستقرار وازدهار. ولكن السؤال: مَن هي الجهة التي ستُبادر إلى دعوة القوى التي تتقاطع على القيم والأهداف نفسها إلى التشاور والتفكير ووَصل الليل بالنهار في جلسات مفتوحة بحثاً عن حلول ومخارج، خصوصاً انّ التناقضات داخل الصفّ الواحد قد تكون أكبر، ويا للأسف، من التناقض مع من يخطف الدولة؟

فالأوضاع لم تعد تُطاق، و»حزب الله» معتاد على أوضاع من هذا النوع، باعتبار انّ المحور الذي ينتمي إليه لم يقدِّم نموذجا واحدا لدولة وسيادة واستقرار وازدهار، ما يعني ان أوضاعا من هذا النوع قد تخدم أهدافه في التفريغ والهجرة والتيئيس والإحباط من أجل ان يضمن استمراره بعيدا عن اي تحد من اي نوع.

والمطلوب واحد: أكل العنب. وتحقيقاً لهذا الهدف يجب التفكير بأساليب جديدة للمواجهة مع «حزب الله»، وعلى القوى المعنية المبادرة ومدّ اليد للتفكير بعيدا عن الانتخابات النيابية التي موعدها بعد أربع سنوات، ولا لأحد بالتهرُّب من المسؤولية، ومن يتهرَّب يعني انّ هدفه السلطة وتسجيل المواقف والنقاط، لا البحث عن حلول جدية ونهائية للأزمة اللبنانية.


للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق