اخر اخبار لبنان : عشنا حرباً عمرُها دقيقة!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة

كتبت كريستل موصللي في “نداء الوطن”:

“وُلِدتُ في هذا البلد، ونشأت فيه، ومرَّت عليَّ حروب وانفجارات، ولكن ما من شيءٍ رأيته في سابقاً يوازي ما حدثَ في 4 آب 2020. هذا الإنفجار الذي أودَى بحياة أكثر من 190 شخصاً، وجرح أكثر من 6 آلاف وشرَّد 300 ألف شخص، فيما لا يزال عدد من المفقودين تحت الأنقاض (حتى كتابة هذه السطور)، وكأنَّ ما جرى يُشبهُ حرباً كاملةً حدثت في دقائق!

هولُ هذا الانفجار الذي دمَّر جزءاً من العاصمة اللبنانية وضواحيها، خلق مشهد تضامن وتعاطف بين فئات المجتمع، كما بين المنظّمات المحلية، الذين هرعوا جميعاً بشكل سريع إلى المناطق المتضرّرة جرّاء الإنفجار للمساعدة في إسعاف المصابين ورفع الحطام الذي انتشر في كلّ مكان. وإلى ذلك، وصلت إلى لبنان منظّمات إغاثية دولية غير ربحية، وأخرى رسمية لتقديم استجابة طارئة في الأسبوعين الأوّلين، واستجابات صحّية ولوجستية في الفترات اللاحقة، خصوصاً وأنَّ لبنان يواجه أزمات متزامنة كالنزوح الطويل الأمد، الأزمة الإقتصادية والمالية، التوتّرات السياسية، وجائحة كوفيد-19.

منظّمة “أطبّاء بلا حدود”- والتي تربطها علاقةٌ بلبنان تعود للعام 1976 أثناء الحرب اللبنانية، حيث كانت أوّل استجابة لها في منطقة نزاع مسلَّح، ها هي مع قرب احتفائها بعيدها الخمسين، تقف إلى جانب لبنان لمساعدته على تخطّي هذا الحادث المأسوي. لطالما كان للمنظّمة وجود في لبنان في 1982 أثناء الإجتياح الاسرائيلي، وفي العام 2006 خلال حرب تموز- لمساعدة الأشخاص الأكثر تضرّراً. ومع الوقت، ساهمت المنظّمة في تقديم المساعدة الطبّية والنفسية للأشخاص الأكثر حاجة.

استمرارية الرعاية وتبدُّل أولويات الناس!

ألقَت الأزمة الإقتصادية القائمة بثقلها على قدرة السكان المقيمين، من لبنانيين ولاجئين وعمّال أجانب، فمنذ انخفاض قيمة العملة اللبنانية، واجه الناس صعوبات في شراء أدويتهم وفي الحصول على المساعدة الطبّية المتخصّصة. كما أثّرت الأزمة على واردات المخزون الطبّي الذي تشتدّ الحاجة إليه. قبل الإنفجار، كنّا نشهد الكثير من النقص في الأدوية في مراكز الرعاية الصحّية الأولية وفي مختلف المستشفيات، بالإضافة إلى معاناة المستشفيات، من ارتفاع تكاليف الوقود للمولّدات بسبب انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرّر ولفترات طويلة.

ليلة الإنفجار، توجّه بعض زملائنا العاملين في المجال الطبّي بشكل تلقائي إلى المرافق الصحّية، لتقديم يد المساعدة إلى الطاقم الطبّي الذي تعامل مع حالة الطوارئ. وفي الأيام التي تلت الإنفجار، تبرّعت “أطبّاء بلا حدود” بإمدادات طبّية أخرى لمساعدة الجهات الطبّية، كالصليب الأحمر اللبناني، على معالجة العدد الهائل من الإصابات. كذلك نظرنا في الإحتياجات الطبّية الطارئة في جميع أنحاء المدينة. وحدّدنا الحاجة إلى توفير أدوية الأمراض المزمنة للأشخاص المصابين بها. واكتشفنا من خلال زياراتنا لمنازل المتضرّرين أنهم إما فقدوا أدويتهم جرّاء الإنفجار، أو لم يعودوا قادرين على تحمّل تكاليف شرائها مجدّداً. نحن ندرك أنّ المرضى الذين يعانون من الأمراض المزمنة لا يستطيعون التوقّف عن تناول أدويتهم فجأة لأنَّ ذلك يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية. لهذا السبب، نجد أن تقديم الدعم للمرضى، وتوفير استمرارية الرعاية لمَن يعانون من الأمراض المزمنة (مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، إلخ) مهمّ جدّاً في هذه المرحلة. وهو ما يشكّل أحد الأعباء الرئيسية التي تقع على عاتق نظام الصحّة العامة في لبنان، لذلك نعمل على تقديم الأنشطة المرتبطة بذلك في البلاد منذ سنوات. وندركُ أنَّ العديد من الأشخاص المتضرّرين من الإنفجار سيواجهون صعوبة في الحصول على الأدوية والرعاية الطبّية.

الإنفجار تسبّب بازدياد حالات كوفيد-19

قبل 4 آب، كان النظام العام يعاني للتعامل مع عدد حالات الإصابة بكوفيد-19 بعدما توقّف العمل بتدابير الإقفال العام المقرّرة سابقاً، فبدأت تزداد حالات الإصابة بالوباء. كما كانت المستشفيات الحكومية قلقة بالفعل حِيال الوصول إلى الحدّ الأقصى من قدرتها على التعامل مع الحالات الحرجة المتزايدة. ومع ذلك، كانت المستشفيات الخاصة مُجهّزة جيداً وجاهزة لاستقبال المزيد من المرضى المصابين بكوفيد-19. ولكنّ المشهد اختلف بالتأكيد بعد الإنفجار، حيث امتلأت المستشفيات في أقلّ من 12 ساعة، حتّى أنّ العديد من المستشفيات الواقعة في المنطقة تضرّرت جرّاء ذلك. ومنذ انفجار مرفأ بيروت، ارتفعت بشكل كبير جداً حالات الإصابة بكوفيد-19 المُبلّغ عنها في لبنان. ويعود ازدياد هذه الحالات لعوامل عدّة، من بينها التغيُّر في الأولويات! يوم الإنفجار، كان الناس يهرعون للحصول على الرعاية الأولية أو لإيجاد مكانٍ للإقامة، كانوا يضعون أقنعة لحماية أنفسهم من الغبار السام الناجم عن الإنفجار، بدلاً من إجراءٍ وقائي للحماية من الإصابة بكوفيد -19. هذا الوباء الذي ربّما كان “الوحش” الذي سعى الناس لبذل قصارى جهدهم لمنع أنفسهم من الإصابة به، لم يتمكّنوا في 4 آب سوى بالبحث عن أحبّائهم والاطمئنان عنهم، بدلاً من التركيز على الوباء.

يشكّل الارتفاع في حالات الإصابة مصدر قلق لنا، ونحاول تحديد الطرق التي علينا من خلالها مواءمة أنشطتنا مع الظروف الراهنة. وتستمرّ “أطبّاء بلا حدود” بتنفيذ الأنشطة التي اعتمدتها استجابةً لتفشي كوفيد-19، حتى بعد وقوع الإنفجار. وفي ظلّ دعمنا للاستراتيجية الوطنية المعتمدة للتصدّي لكوفيد-19 من وزارة الصحّة اللبنانية (اختبر، تابع المخالطين، عالج)، ما زالت المنظّمة تجري اختبار مسحة الأنف بالتنسيق مع وزارة الصحّة في مناطق مختلفة، بما في ذلك المناطق المتضرّرة. وجرى نحو 600 اختبار في النقاط الطبّية الثابتة التابعة لمنظّمة “أطبّاء بلا حدود” في مار مخايل والكرنتينا. بين أزمة اقتصادية ومصاعب مالية واجتماعية ظهرت أخيراً، انضمَّ انفجار مرفأ بيروت الى مجموعة من الأسباب التي تولّد حالات الصدمة لدى سكّان لبنان. وتشير الخبرة التي اكتسبتها المنظّمة من خلال عملها في مثل هذه الأزمات إلى أنَّ الانفجار سيكون له تأثير هائل على سلامة السكّان النفسية، وسيمتدُّ أثره لسنوات قادمة. لهذا السبب، يجب السعي لوضع استراتيجية للصحّة النفسية لإدارة آثار هذا الانفجار على المدى الطويل على مَن كانوا جزءاً من هذه التجربة الصعبة، أو من أثَّر بهم كل ما جرى.

لذلك، تعمل “أطبّاء بلا حدود” على تنسيق الجهود إلى جانب وزارة الصحّة اللبنانية ومنظّمات محليّة ودولية بغية الإستجابة لاحتياجات الصحّة النفسية لدى السكّان، إذ إنَّ الصحّة النفسية ركيزة أساسية من نشاط المنظّمة في لبنان. وقد عمل فريق من العاملين في الشؤون الإجتماعية على تقديم الإسعافات الأوّلية النفسية، كما وضعت المنظّمة فريقاً من 4 اختصاصيين نفسيين في النقاط الطبّية لتقديم أي مشورة نفسية لمن هم بحاجة إليها.

بدأتُ عملي مع منظّمة “أطبّاء بلا حدود” منذ فترة طويلة، وتواجدت في العديد من حالات الطوارئ في أماكن مختلفة من حول العالم، لكن كوني جزءاً من استجابة المنظّمة في بلدي لبنان، ساعدتُ أبناء بلدي على الوقوف على أقدامهم بعدما أصابنا جميعاً هولُ ما حدث! ما يعطي طعماً ملموساً ومباشراً لدور “أطبّاء بلا حدود” كمنظّمة إنسانية في كل مكان في العالم.

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق