اخبار لبنان : قصص 'تقشعر لها الأبدان' لمعاناة الأطفال الشهود على إنفجار المرفأ!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة

لمى (10 سنوات) وابراهيم (3 سنوات) – اسمان مستعاران طفلان يتبولان منذ يوم انفجار المرفأ المشؤوم لاإرادياً، يُصابان بالذعر عند سماع أي صوت، يتمسّكان بأيدي أمّهاتهما لسبب أو لغير سبب، يخافان مجرّد البقاء في غرفهما، يرفضان إطفاء الأنوار ليلاً، يتفادان الخروج من بيوتهم، يتذكّران بكاء الرضّع وصريخ الأمهات كما الجدران المضرجة بالدماء... وأشياء مماثلة كثيرة على هذا المنوال.

قالت والدة لمى "كان زوجي خارج المنزل الذي يبعد مئات الأمتار عن موقع الانفجار. فجأة سمعنا أصواتاً غريبة بدت للوهلة الأولى كأنها ألعاب نارية. خرجت إلى الشرفة وابراهيم بين يديّ لأستكشف ما يحصل، فوجدت الجميع يهرولون مسرعين. ناديت لمى على وجه السرعة، إلّا أن الانفجار كان أسرع منّا نحن الثلاثة". وتتابع: "في تلك اللحظة، فَقَدْت ابراهيم بين الركام لأجده أرضاً، بعد أن هدأ عصف الغبار، ينزف دماً طبع بلونه بعضاً من الحطام المتناثر حوله". "ماما ما تخافي، نحنا بعدنا عايشين". هذا أوّل ما سمعت الأم طفليها يردّدان بصوت خافت أقرب إلى الهمس.

تصف لنا الأم حياة ولديها اليومية والدمعة تفرّ من عينها: "حالتهما صعبة... يركضان ويختبئان خلفي كلّما سمعا صوت دراجة نارية. يمتنعان عن النوم في غرفتهما مردّدين دوماً عبارات تنضح ذعراً. يطلبان منّي باستمرار إغلاق باب المنزل ويأبيان أن تطأ أقدامهما الشارع للّعب مع رفاقهما". العدائية أصبحت عنوان تصرّفات ابراهيم من خلال رغبته المتواصلة في الصراخ وضرب الآخرين. أما لمى، فهي تحوّلت فتاة صامتة، انطوائية، منعزلة، غامضة، على حدّ قول أمّها. وقد تبيّن، بعد خضوعها لعلاج نفسي بعد وقوع الانفجار، أنها تعاني نتيجته من تأخّر في النمو الفكري ومن انعدام شبه تام في التركيز.

"بدّو يصير انفجار تاني ولازم نهرب". جملة يتفوّه بها الولدان في ما بينهما بعيداً عن مسمع الأهل. أما سقوط (أو إسقاط) جزء من أهراءات القمح في المرفأ مؤخّراً، تزدهما سوى ترداداً لها. هنا تخبرنا الأم: "حين وقع الانفجار، تطايرت أحذيتنا يميناً ويساراً، فركضنا حفاة القدمين. وأوّل ما يقوم به الولدان مذّاك، عند سماع صوت أو تصاعد دخان، هو تجهيز الأحذية عند مدخل البيت وفي بالهما أن انفجاراً ما سيحدث". فهل هذا ما تستحقّه الطفولة؟


لإعلان حال طوارئ نفسية

لا بدّ أمام هول ما سمعناه، وهما حالتان من مئات إن لم يكن آلاف الحالات الأخرى، من الاستفسار أكثر عما يقوله علم النفس. "نداء الوطن" تحدّثت مع المتخصّصة في علم النفس العيادي ومؤسِّسة مركز "نفسانيون"، الدكتورة هبة خليفة، التي اعتبرت بداية أن الصحة النفسية هي من المواضيع غير المرئية أو الملموسة. فالأنظار غالباً ما تتّجه نحو الجرحى والقتلى، أما الأمور النفسية فلا يتمّ التطرق إليها إلا متأخّراً.

خليفة لفتت إلى أن أطفال بدأوا يتلقّون الصدمات النفسية تباعاً منذ ثورة 17 تشرين وتفاقم الوضع مع الأزمة الاقتصادية الحادة وجائحة كورونا، ليأتي الانفجار ويسبّب بدوره صدمة إضافية لهم. ورأت أن الأمور لن تصطلح من دون تحقيق العدالة، لأن أي صدمة تحتاج إلى نهاية ما كي لا تُطوى بكبتٍ للمشاعر. "أطفالنا نضجوا قبل أوانهم وسُرقت طفولتهم منهم، فَهُم يعيشون حياة لا تتناسب مع أعمارهم"، تشرح خليفة مشيرة إلى الطريقة التي عبّر بها هؤلاء عن خوفهم خلال برنامج الدعم النفسي الاجتماعي الذي قدّمه المركز مجاناً للأطفال المتضرّرين. وتضيف: "كانوا يتكلّمون كثيراً لكن أحاديثهم ورسوماتهم تقطر كآبة وتحمل في طيّاتها الكثير من الخوف والقلق".

ما السبيل إلى النسيان والعودة إلى الحياة الطبيعية؟ "للأسف، هناك استحالة هنا إذ سترافق الاضطرابات الأولاد لفترة من الزمن في ظل غياب برامج الدعم النفسي"، كما تقول. ماذا نفهم من هذا الكلام؟ "سيستمرّ العديد من الأطفال بالصراخ عند سماع أي صوت لأن من شأن الأصوات أن تنعش في ذاكرتهم لحظة الانفجار، ولن يشعروا بالأمان إلا بجانب الأهل. الخوف حالة ستلازمهم مقترنة بهاجس وقوع انفجار آخر وبأن الموت قريب. سنرى أطفالاً يهابون الخروج إلى الشرفة أو استخدام المصعد لأنهم فقدوا الإحساس بالأمان. هذا إضافة إلى العدوانية التي ستبدو جليّة في تصرفاتهم إذ إنها وَسيلَتهم الوحيدة للتخلّص مما في داخلهم"، بحسب خليفة.

طفلة تدّعي على من "قتل ألعابها"...

ننتقل إلى ريم، إذ ما ينطبق على لمى وابراهيم، ينطبق عليها هي الأخرى. فبعمر السنة والنصف، انضمّت وإخوتها الثلاثة - كريم، كارين وملاك - إلى الدعوى العامة لجريمة انفجار المرفأ، "تعويضاً عن الضرر المعنوي اللاحق بهم نتيجة الرعب الذي عاشوه عند وقوع الانفجار الذي هدّد حياتهم وشرّدهم قسراً لفترة من منزلهم، هذا إضافة إلى أن العناية الإلهية وحدها هي التي أبقتهم على قيد الحياة"، كما جاء في نص الدعوى.

والد ريم، منسّق اللجنة القانونية في المرصد الشعبي المحامي جاد طعمه، والذي انضم نهاية العام 2021، مع آخرين من ذوي الأطفال المتضرّرين، إلى فريق الادعاء بولايته الجبرية عن أولاده، يقول لـ"نداء الوطن":" سأمزج هذه المرة العام بالخاص لأن تداعيات جريمة الانفجار أصابتني معنوياً على المستوى الوطني العام، كما شخصياً في منزلي على المستوى الخاص. فأولادي كانوا لحظة الانفجار في المنزل الذي يُفترض أن يكون خليّة آمنة لهم. تعرّضوا إلى صدمة نفسية نتيجة صوت الانفجار وعصفه وآثاره. فهم يتذكّرون ذلك الصوت دون انقطاع، ويردّدون عبارات مؤلمة على غرار "المجرمون قتلوا ألعابنا". هذا إضافة إلى حالة الخوف التي انتابتهم حيالي كونهم كانوا يجهلون مكان تواجدي لحظة الانفجار بعد أن انقطعت الاتصالات كلياً".


للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق