اخبار السودان اليوم - عذرا ترباس ان ودعوك على انغام التابوت الغاني!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
- حقيبة الاخبار

February 3, 2021

سليمان احمد السويكتابي
الفنان لا انتماء له إلا الى فنه…قديما تغنى الفنانون من امثال ابراهيم عوض ومحمد وردي وغيرهما للنميري قائد ثورة مايو التي اعتلت عرش الحكم على فوهة البندقية…وهما اشتراكيان من الدرجة الأولى لا يشك أحد في انتمائهما…تغنيا للاشتراكي محجوب شريف :
يا حارسنا وفارسنا
يا جيشنا ومدارسنا
لينا زمن نفتش ليك وجيتنا الليلة
يا حارسنا يا فارسنا…
فهل تصح محاكمة اعمالهما الفنية سياسيا وقد اسهما في مؤازرة الحكم الديكتاتوري وتثبيت دعائمه ام ان الديكتاتورية الاشتراكية تختلف عن تلك الاسلامية او العروبية او غيرها مما يعجب هؤلاء او يثير حفيظة اولئك…علما بأن معظمنا إلى الآن يطرب لكلمات محجوب شريف وغناء وردي بأيقوناته الغنائية ومحمد ميرغني وروائعه وسيد خليفة بأدائه الدرامي الممتع الذي تجاوز الاعجاب به حدود الوطن ليردده الافارقة، ونحن نفتخر بذلك لوردي كما لسيد خليفة… وكلهم وغيرهم ولجوا في تمجيد عتاولة الحكم الديكتاتوري ونظامه…
الفنانون والشعراء يا هؤلاء لا يحاكموا على نصوصهم الغنائية سياسيا بل فنيا…بالظبط كما فعل شيخ المحكمين وقد دخل عليه محمد ميرغني بنص يمجد فيه ثورة مايو وقد كان العبادي حينها رئيسا للجنة النصوص…فرمى بالنص على الأرض ولم يكترث لقدسيته السياسية قائلا: هذا ليس شعرا…ولم يعلم العبادي ان النص الذي رفضه بالباب سيعود بالشباك ليصبح شعارا لثورة مايو وقائدها، يتلى على مسامعنا بكرة وأصيلا…لم يعبأ العبادي برأي عتلة النظام المايوي وما يمكن ان يجره عليه هذا الرفض من مساءلات قد تصل حد السجن والتعذيب…او قد يعلم نظام مايو نفسه ان العبادي لا شأن له الا بمهنته التي تقتضي التجرد المهني بعيدا عن لغة ساس يسوس…فتركوه يؤدي واجبه كما يحلو له وادخلوا النص خلسة الى دار الإذاعة والتلفزيون…
انا لا اؤمن اصلا بتوجيه رسالة الفن وحصر الفنان في اي فكرة او حشره بين جدر ثقافية او سياسية مغلقة الاتجاهات؛ فالفنان براحه الكون بأجمعه يتأثر بأحداث مجتمعه هبوطا ناعما ام تدنيا خشنا أو سموا ورقيا..فقد كان الشاعر المتنبي موغل في التزلف المقيت لسلاطين وأمراء الدولة العباسية…الا ان ذلك لم يمنع الأديب الألماني جوتة من الاعجاب به كشاعر وليس سياسيا.. حيث اعتبره أشعر من وطأ الارض….فالأديب والشاعر والفنان هو مرآة تعكس ما يدور في مجتمعه ما خفي منه وما ظهر مهما حاول البعض توجيهه وتطريزه على طريقتهم الخاصة وإن رأوا فيها ما فيها من مثالية..
ومن الفنانين من تؤثره الفكرة ومنهم من تأخذه الصنعة فيترجم كل منهما ما يؤمن به لحنا مموسقا…يختلف حوله المستهلكون قبولا ورفضا وتأويلا وفهما… وحسب الفنان ان يغني ويجود غناءه وكل مستمع يهيم بليلاه…ولا شك ان ترباس ليس بدعا من الفنانين فقد تغنى للإنقاذ ما قد لا يروقنا ولا يروق للكثيرين وتغنى في نفس الوقت للام ما اصبح ايقونة الغناء السوداني كما في رائعة التجاني حاج موسى “امي يا دار السلام” والتي رددها كل سوداني وكأنما فصلت على امه…وغيرها من روائعه التي ملأت الساحة الفنية..
هل يعيب ترباس فنيا ان يبث وجده وشكواه لما اصابه من هم وغم…فكان صريحا وجريئا حد البكاء لما أصابه من عوز نتيجة التضييق على مهنته…ونحن نعلم ان ظروف الجائحة قد اغلقت عليه وعلى الكثيرين من امثاله من افراد المجتمع أبواب رزقهم..دون أن تلتزم الدولة بتعويض يجبر الضرر ويرفع المعاناة او يخفف حدتها على كثير من الشرائح التي يقع
عليها عبء التزامات تقطعت بها السبل.. كما يحدث في كل دول العالم المسؤولة…معاناة ترباس هي زفرة ترجمت معاناة الملايين غيره من أفراد ومؤسسات وشركات ومدارس ومصانع خرجت عن التغطية تماما وتشردت عضويتها فانهارت اسرهم وأغلقت بيوتهم..وما من مؤاسي ولا من معزي…انا استغرب كيف انهالت الركلات على شخص ترباس الذي حررت الدولة شهادة وفاته بيدها ليشارك الكثير من ابناء في التشييع ضربا على الميت الذي اختار الانتحار على الموت البطيء..ولا يدري هؤلاء انهم بذلك الفعل المقيت يرثون قيمهم السمحة على اغنية التابوت الغانية والتي اضحت مثار تندر على شنيع الفعل والصنعة لدى صبيتنا …
ترباس يا هؤلاء مثله مثل غيره من عمالقة الغناء كما غنى للإنقاذ هو ايضا شنف آذاننا بعذب الأغنيات..
فلماذا نحاسبه سياسيا لنقتاله وهو لا علاقة له بالسياسة ولا الأحزاب ولا فقه له بدهاليزها…فينهال عليه “الردم” في غنائه وملبسه بل وحتى في موائد طعامه من شية اولاد ام درمان وسوق الناقة والتي نستمتع بها جميعا في عطلاتنا واعيادنا ورحلاتنا..ليذكره الناس بترفيله في النعيم على انغام رائعته “جاي تفتش الماضي”..ولم تسلم حتى عمامته وعباءته الفارهتين والتي كانت بالأمس احدى مميزات الرجل الشخصية كما القامات من الفنانين امثال عبد الدافع عثمان وعوض الكريم عبدالله والقلع وغيرهم ممن ميزهم هندامهم السوداني الأصيل..
هكذا تميز ترباس في زيه الذي التصق بشخصيته وأصبح احدى مكونات ابداعه الغنائي المتفرد وقد خرج الرجل بالاغنية الشعبية الى خارج الحدود فقلده الاخوة الكوايتة في رائعته الشعبية “جنا الباباي” لتغنى بنفس لحنها بعد تعديلها “لغصن البان”…
كان من الأجدر بنا ان نحتضن ترباس وغيره من مكلومي الجائحة وان نقف معهم في محنتهم حتى لا يفقد السودان فردا واحدا من بنيه بسبب الفقر لينطبق علينا قول ابن الخطاب “والله لو عثرت بغلة بطريق لسألني الله منها، لم لم تمهد لها الطريق”..
فما بالك بالإنسان !…
كيف لامة ترجو النهوض وهي تتخلى عن مبدعيها بهذه الطريقة النشاذ، بل وتتلذذ بالنظر اليهم وهم يبثون وجدهم وشكواهم في تراجيديا صادقة، ويشكون بؤس حالهم صدحا بالفاقة والعوذ الصريح حد الدموع.. ولا شك ان من خلف هؤلاء جموع صابرة قد يهزمها الصمت في اي لحظة ،خاصة اذا ارتبط بالسياسة، فتنهار وينهار معها جدار التصبر وتتساقط لبنات بناء مجتمعنا لبنة لبنة.. كما تروس الفيضان التي لا تقوى على دفع المياه الهادرة…انظروا للسيدة انجيلا ميركل كيف تحتضن اللاجئين السوريين الغرباء وقد رفضتهم بعض أحزاب المعارضة..لتنزل من منصتها فتقابل طفلا مكلوما من الحرب والغربة وفقد الاحبة.. لا يتجاوز العشرة أعوام من عمره الغض.. ليرتمي في أحضانها معلنة له إن أنت منا ونحن منك على طريقة سلمان منا آل البيت…. فيبادلها الحب حبا ويشعر مع احتضانها له بدفء الانتماء الى بلده الثانية التي ريثما ستصبح حتما الأولى…هكذا ترتق الشعوب نسيجها وتؤسس لوطنية مواطنيها وتمنح الجنسية العاطفية لضيوفها لتدمجهم في دواخلها قبل ان تعرف صالحهم من طالحهم، توطئة لمنحهم الاقامة الدائمة مستنديا، وقد غسلت نفوسهم من احساس الغربة والدونية…
فكيف بنا نحن “نكسر الازيار” على من اجبرته قسوة الظروف على الهجرة فخرج منا مكلوما محسورا..كيف بنا نهزأ من الرجل مد الأسافير وبكل قسوة على طريقة قطر عجيب يودي ما يجيب !!!علما بان قطار القسوة لن يتوقف تجاه المنافي الاجبارية التي اكتظت بالسودانيين الذين خلت منهم ديارهم…حتى انك لا تكاد تجد ارضا بكل الدنيا ليس بها سوداني اجبرته الفاقة والسياسة على حط رحاله بها …
ويبدو اننا لن ننجو من نفس المصير ان لم تنصلح النفوس قبل الأحوال..واخوك ان زينو بل راسك..

مزيد من اليوم

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار السودان اليوم - عذرا ترباس ان ودعوك على انغام التابوت الغاني! في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع السودان اليوم وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي السودان اليوم

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق