اخبار مصر اليوم - نجل الشيخ عبد الباسط عبدالصمد: والدي تعقّد من «حادث المنصة».. وارتدى «البدلة» خارج مصر (حوار)

المصري اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«اتق الله ولا تظلم أحدًا».. كلمات قليلة لكنها ذات معاني كبيرة ومخيفة في نفس الوقت جاءت هذه الجملة على لسان اللواء طارق نجل القارئ الراحل عبدالباسط عبدالصمد كاشفًا بأنها خرجت من لسان والده له في أولى لحظات تخرجه في كلية الشرطة، مضيفًا بأن صداها لا يزال يتردد في أذنيه حتى الآن من شدة إحساسه بمقصد أباه.

طارق الابن الأوسط للقارئ الراحل، والذي صار على درب والده في تلاوة القرآن الكريم.. ويكشف في حوار لـ«المصري اليوم» عن جوانب شخصية الأب، وعلاقته بـ«آل البيت»، ويكشف تفاصيل «حادث المنصة»، وعلاقته بملوك ورؤساء دول كبرى في المنطقة، وإلى نص الحوار..

في البداية كم كان عمرك عندما توفى والدك؟

كنت قد أتممت الـ25 عامًا

حدثنا عن نشأة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد؟

ولد في 1 يناير من عام 1927 بمدينة أرمنت التي كانت قديما تابعة لمحافظة قنا وتوفي في 30 نوفمبر 1988 وكعادة السلف قديما كان الكتاب خير معلم ومحفظ للقرآن الكريم فحرص أباه على انتظام ابنه في كتاب الشيخ السعدي بالقرية، واعتاد الصغير الذهاب مع أشقائه الأكبر منه سنًا إلى الكتاب وزاد تمسك الأب بتعليم الطفل بعدما أخبره الشيخ السعدي بأن نجله صاحب صوت قوي ومتميز وأوصاه أن يرعاه فدب الأمل في الوالد وبات يدعو لابنه بمستقبل ناجح وقرر أن يهبه للقرآن الكريم وقال «مش هيتعلم غير قرآن»، وكان الأب موظفا بهيئة السكة الحديد أما الأم فهي ربة منزل، ويحكى أن الصغير تعلق قلبه بالقرآن الكريم، حيث اعتاد الذهاب إلى سرايا عبود باشا بقريته للاستماع إلى المقرئين مساءً ويردد ما سمعه منهم حتى أطلقوا عليه لقب الشيخ عبدالباسط وهو لايزال صغيرًا، ونصحوا والده بأن يرسله إلى معهد طنطا الديني لتعليمه الأحكام والتجويد على يد العالم محمد سليم المنشاوي، وباتت الأسرة تفكر في الأمر فهناك تخوف على الفتي الذي لم يبلغ الثامنة من عمره كيف له أن يعيش في غربة وحيدًا دون رعاية، ولكن القدر أراد به خيرًا، فانتشر خبرًا بأن المنشاوي قادم إلى قرية المطاعنة للاستقرار بها من أجل تعليم أبناء المنطقة أحكام القرآن الكريم في جمعية المحافظة على القرآن، وبالفعل جاء المنشاوي، وتلقى الفتي على يديه دروس التجويد والقراءات.

ومتي أتم حفظ القران ؟

تقريبًا في سن العاشرة كان قد انتهى من حفظ القران كاملا بينما أتم القراءات السبع والأحكام بعدها بعامين وقد ذاع صيته في القري المجاورة لبلدته وأصبح مطلوبًا لإحياء الحفلات والمناسبات هناك، وأصبح يوميًا مشغولًا بمواعيد والتزامات مختلفة، وبدأ يدر دخلًا على أسرته، لكنه كان مرهقًا من العمل خاصة أن الإمكانات قديمًا كانت متواضعة، فيحكي لي بأنه في مرات عديدة كان يذهب إلى المكان سيرًا على الأقدام لعدم وجود مواصلات وقتها، واستمر في تلبية رغبات المحبين ومع مرور الوقت ذاع صيته في كل منطقة الصعيد وبقي اسمه معروفًا لدى الجميع.

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

ومتى وكيف تزوج ؟

بعد أن أصبح الشيخ عبدالباسط مطلوبًا في كل مكان شعر بالحاجة إلى زوجة تقف بجانبه، وترتب له أمور حياته وتكون داعمًا لنجاحه، فطلب من والديه الزواج، وقال لهما «عايز أتزوج علشان حد يساعدني على الوفاء بالالتزامات»، فبادره أباه قائلًا: «إيه رايك في بنت عمك«، فأجاب الفتى بالموافقة وتم الزواج في سن التاسعة عشرة من عمره، وأكرمه الله من زوجته، التي كان يكبرها بأربعة سنوات بأحد عشر ولد وبنت، ورفض الزواج بأخرى كما نصحه عدد من اصدقائه المقربين من أجل إنجاب الأولاد، حيث أنجب ثلاث بنات في بداية زواجه، وأكرمه الله بعدها بتوأم ذكور، ثم أغدق عليه الخالق بالأولاد حتى أصبح أبًا لـ7 ذكور و4 إناث.

ولماذا قرر الانتقال للإقامة الدائمة بالقاهرة؟

ذات مرة سافر مع أصدقاءه لحضور الحفلة الختامية لمولد السيدة زينب، وكانت تلك المرة الأولى، التي يدخل فيها القاهرة وتقريبًا في عام 1950 كان قد بلغ الثلاثة وعشرون عامًا، ويسرد لنا أنه كان جالسًا بالقرب من القراء الكبار، الذين حضروا لإحياء تلك الليلة الكبيرة، وبينما هو شارد الذهن يفكر في المكان والأصوات إذا بأحد الأشخاص يربط على كتفه ويقول له «أزيك يا شيخ عبدالباسط.. أنا الشيخ على سبيع إمام المسجد بلدياتك»، فسلم عليه الوالد وبادره سبيع طالبًا منه قراءة قدر يسير من القرآن، فصمت وبدا عليه القلق لأنه لم يكن مستعدًا لهذا الاختبار الصعب، لكن الرجل أخبره بأنه استمع له في البلدة، وأن صوته جميل، واستجاب الشيخ الصغير للاختبار، وجلس على مقعد القراءة وتلا القرآن واسترسل، وإذا بالحضور ينصتون تمامًا واختفى الضجيج وتعالت صيحات الحضور بالاستحسان وهدير من الإعجاب، ما جعله يشعر بالثقة في النفس ويدخل في حالة الانسجام وامتدت القراءة إلى ساعة ونصف، بعدها أقبل عليه الناس يتعرفون عليه ويخطبون مصادقته، وخرج محمولًا على الأعناق، وقال له الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي، الذي تواجد ضمن الحضور أن هذا القارئ ذو حظ عظيم وطلب منه أحد الاشخاص التقدم للإذاعة المصرية بناء على رغبة رئيسها، الذي استمع للشيخ عبدالباسط، وأُعجب به، وفرح الوالد كثيرًا بالأمر، ورفع يداه لله شاكرًا على حسن حظه بحضور ليلة السيدة زينب، حيث وصفها بأنها «وشّ السعد عليه»، بعد أن أصبح قارئا معتمدا في الإذاعة المصرية، وكان ذلك في بداية الخمسينات، ومن هذا اليوم قرر الاستقرار في القاهرة هو وزوجته وبناته الثلاثة، واستأجر شقة صغيرة في السيدة زينب، ثم انتقل إلى الحلمية الجديدة، وبعدها سكن في منيل الروضة، ثم جاردن سيتي، وبعدها شيّد فيلا في حي العجوزة.

اذكر لنا طباعه وصفاته الشخصية ؟

تميز والدي بأنه عاش شخصًا هادئ الطباع قليل الكلام، كثيرًا لذكر الله تعالى، واشتهر بالكرم، ولم يبحث عن المال مطلقا واعتاد القراءة للفقراء دون أجر وكان وسيمًا ويختار ثيابه بدقة وحرص على الظهور مهندمًا في كافة الأماكن والمناسبات حتى في المنزل وقد اعتاد على شراء الاشياء الفارهة، التي تشعرك بالرفاهية والسعادة لدرجة وكان ينتهز الفرصة في سفره ليشتري ملابسه ومستلزمات أسرته من أشهر المحال العالمية، وكان في يرتدي جلابية نصف لياقة ذات تصميم معين ومعها الجبة والقفطان، بينما كان يرتدي البدلة والقميص أثناء تواجده خارج مصر، فقد كان له صديق مغربي محبًا للملابس طلب منه تجربة ارتداء البدلة فاستحسنها أبي، وقرر من وقتها أن تكون حاضرة داخل دولابه الخاص، بعد أن قام بتفصيل مجموعة من البدل بأسبانيا بصبحة صديقه المغربي، وأتذكر أن أول سيارة اشتراها في منتصف الخمسينات كانت ماركة «دودج»، وبخصوص الأكل أحب والدي الفتة والملوخية بالأرانب ولحم الضأن والشاي بالنعناع.

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

ماذا عن طبيعة علاقته بأهله ؟

كان والدي محبًا لكل أهله، فمن ناحية أولاده وزوجته شملهم دائمًا برعايته واعتاد الاهتمام بأمورهم ومتابعة شؤونهم بنفسه، ومن الأشياء، التي لا ننساها له أنه صمم أن يحفظ جميع أبنائه القرآن الكريم كاملًا، وخصص لنا أحد المشايخ المتميزين لذلك وأشرف بنفسه على الامر حتى أكرمنا الله جميعًا وختمنا القرآن، كما أنه حرص على التواصل مع عائلته وأقاربه في الصعيد، وحضور مناسباتهم، فوالدي لم يقصر مع أحد منهم مطلقا بل ساعد من يحتاج وكان بارًا بوالديه، ولم يرفض لهم طلبًا، حيث كان مطيعا لهما ملبيًا لجميع رغباتهم والدليل أنه رفض الزواج مرة ثانية برغم إلحاح أصدقائه عليه كونه ظل سنوات لم يرزق بذكور، فعرضوا عيه الزواج بأخرى لإنجاب ولد لكنه تمسك بزوجته وهي ابنة عمه احترامًا لها ولوالديه وأهله، وقال «هذا رزق من الله يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور»، فأكرمه الله بتوأم ذكور، ثم توالي في إنجاب الذكور حتى بلغ عددهم سبعة.

هل كان يطلب منكم الالتحاق بكليات بعينها أو العمل في أماكن محددة ؟

أبدًا لم يكن من الآباء الذين يرسمون لأولادهم وبناتهم طريق التعليم والعمل هو فقط أصرّ على تحفيظنا القرآن بعدها ترك كل منا لرغبته دون أي تدخل لدرجة أنني عندما أردت التقدم إلى اختبارات كلية الشرطة بعد الثانوية العامة أخبرته برغبتي فقال لي إن الشرطة ليست مناسبة لك لأنها تحتاج إلى التزام وتحمل للمشقة، وكان يتوقع عدم تكيفي مع نظام الكلية فضلا عن علمه بشغفي في قراءة القرآن وأمنيتي في أن أسير على دربه، لكنه قال لي «ده مستقبلك وبراحتك»، وفعلا تقدمت إلى الكلية، ووفقني الله وأصبحت طالبًا بها.

وما كواليس قبولك في كلية الشرطة ؟

تقدمت بأوراقي للالتحاق بكلية الشرطة، وبعد اجتيازي جميع الاختبارات لم يدرج اسمي في كشوف المقبولين، وحينما أخبرت الوالد بالأمر قال لي: «قدر الله وما شاء فعل»، ولكنني كنت مصممًا على الالتحاق بكلية الشرطة، وحاول تهدئتي واتصل بأحد أصدقائه، الذي أبلغه بأن الأمر يحتاج إلى تدخل السيد وزير الداخلية شخصيًا لأن لديه بعض الاستثناءات في القبول، وعليه قام الوالد بالاتصال بالسيد اللواء محمد النبوي إسماعيل وزير الداخلية في ذلك الوقت وطلب مقابلته، ولما عرض عليه الأمر رحب الوزير بشدة بانضمامي إلى الالتحاق بكلية الشرطة، وطلب مني الوالد الذهاب للكلية في صباح اليوم التالي، واستلام المهمات اللازمة للإعاشة، وأمضيت هناك 45 يومًا فترة تدريب المستجدين.

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

أخبرنا عن شكل وملامح والدك لحظة قبولك في كلية الشرطة ؟

كان في غاية السعادة لتلبية رغبتي في الالتحاق بكلية الشرطة، وأعطاني بعض النصائح والإرشادات منها طاعة الأوامر العسكرية والصبر والالتزام بلوائح وقوانين الكلية والمذاكرة أملًا في أن أكون من المتفوقين.

وماذا كانت نصائحه لك بعد تخرجك من كلية الشرطة ؟

بعد أن تخرجت مباشرة قال لي كلمات لم أنساها أبدًا «الحمد لله ربنا أكرمك ومنحك ما كنت قد تمنيته وأصبحت ضابطًا، فلا تظلم أحدًا، واتق الله في عملك، وراعي ضميرك دائمًا، وراجع نفسك يوميًا».. والحقيقة إن هذا الكلام لم يخرج من أذني أبدًا، فهو بمثابة النور الهادي لي في حياتي، وكان رحمة الله يخشي الظلم بدرجة لا يمكن وصفها وردد دائما اللهم لا تجعلنا من الظالمين والحمد لله حفظت عهدي معه.

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

وكيف استطعت التوفيق بين عملك كضابط وقارئ للقرآن الكريم ؟

الحقيقة عقب تخرجي من الكلية مباشرة عملت بقطاع الأمن المركزي، وأمضيت حوالي 3 سنوات بهذا القطاع، وكنت معروف بانني ابن الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، ولدي صوتًا حسنًا، وكنت مطلوبًا لقراءة القرآن في الاحتفالات والمناسبات، التي يقيمها قطاع الامن المركزي، وفي عام 1988 كنت قد وصلت لرتبة النقيب وعقب انتقال الوالد إلى رحمة الله في عام 1988 كانت تأتي إلى دعوات لإحياء المناسبات الدينية خلفًا لوالدي، وفي أوقات غير أوقات العمل الرسمية ألبي الدعوات، وشعرت في حينها بالحرج من الجمع بين عملي كضابط شرطة وتلاوة القرآن الكريم، فاستخرت الله سبحانه وتعالي، وقررت التقدم باستقالتي، وحينما عرضت على السيد محمد عبدالحليم موسي وزير الداخلية حين ذاك طلبني للاستفسار مني عن سبب الاستقالة، فصارحته بأنني في حرج من العمل في الشرطة وقراءة القرآن وقلت له إن الوالد قبل أن يتوفاه الله طلب مني أن أكمل مسيرته في تلاوة وقراءة القرآن الكريم، فأنا أجد حرجًا، فبادرني الوزير ليس هناك حرج بل هو شرف أن يتواجد ضابط قارئ للقرآن الكريم وحافظ لكتاب الله بجهاز الشرطة، فحصلت على الموافقة بتلاوة القرآن الكريم من السيد وزير الداخلية، وكنت وقتها قد نجحت في انتخابات عضوية مجلس إدارة نادي الشرطة بالجزيرة، ما سهل لي الأمر، واستمريت بالعمل في النادي وفي نفس الوقت أتلو القرآن الكريم، والتحقت بمعهد القراءات بالأزهر الشريف، وحصلت على إجازة التجويد، وقمت بتسجيل القرآن الكريم كاملًا وذلك في غير أوقات العمل الرسمية، وتدرجت في المناصب بالوزارة حتي وصلت إلى رتبة لواء، وأحيلت بعدها للتقاعد، وذلك منذ 4 سنوات.

ما هي أول مرة سمع والدك فيها صوتك؟ وماذا قال لك ؟

خلال الإجازة الصيفية كنت أذهب للصلاة بمسجد الدكتور مصطفي محمود المجاور لمنزلنا بالمهندسين، ولما علم شيخ المسجد بأنني ابن الشيخ عبدالباسط طلب مني الاستماع لبعض آيات القران الكريم بصوتي بعد الآذان وإقامة الصلاة، وكان الوالد في ذلك التوقيت متواجدًا بالمنزل يستمع لهذا الصوت المنبعث من خلال ميكروفون المسجد، ولما علم بأنه صوتي شجعني على الاستمرار والتلاوة، وذات مرة ذهبت للصعيد بصحبة الوالد لحضور احتفال ديني كبير، وعقب انتهاء الوالد من التلاوة في الاحتفال طلب أحد أصدقائه منه أن يسمع الحضور صوت نجله، وعندما طلب مني أبي القراءة تملكتني الرهبة من هذا الموقف، ولكن الوالد رحمة الله عليه هدأ من روعي، وطلب مني أن أصعد لدكة التلاوة، قائلًا: «توكل على الله يا طارق»، وبالفعل صعدت وبدأت التلاوة لمدة عشر دقائق، ولاقت هذه التلاوة استحسان الجمهور والوالد، وبعدها وجهني الوالد إلى الالتحاق بمعهد القراءات للحصول على إجازة التجويد، وحصلت عليها برواية حفص عن عاصم.

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

من وجهة نظرك من أهم المقرئين المنافسين للشيخ عبدالباسط في عصره ؟

هو عاش في العصر الذهبي للقراء وكانوا جميعًا يكنون لبعضهم البعض كل التقدير والاحترام، ولم نشعر أبدًا بأن هناك منافسات بل تبادلوا الود وحافظوا على شرف وقيمة وقدر المهنة، لأن قراءة القرآن الكرم توجب احترامها، وأتذكر أن هناك عدد من المبدعين أمثال مصطفي إسماعيل وعبدالفتاح الشعشاعي وعبدالعظيم زاهر والحصري والبنا والبهتيمي ومحمد صديق المنشاوي وأبوالعينين شعيشع والطبلاوي جاء في وقت لاحق لهذا الجيل.

أذكر لنا طقوس والدك اليومية ؟

اعتاد والدي رحمه الله على تخصيص وقت لقراءة وتلاوة القرآن الكريم ليلًا، وكان يستيقظ تقريبًا في الثامنة صباحًا يتناول الإفطار وينزل للشارع لقضاء مصالحه ومشاويره، ثم يعود بعد الظهر ويجلس معنا أثناء الغداء، ثم يدخل حجرته للراحة لمدة ساعة يقوم بعدها لصلاة العصر، ثم نتجمع في جلسة أسرية حتى صلاة المغرب تقريبًا، وبعدها يستعد للنزول لعمله، ومن الأشياء التي لا تنسى أن والدتي كانت تنتظره مساءً حتي يعود إلى البيت، ولم يكن يغمض لها جفن قبل أن تطمئن عليه.

كيف كانت علاقته بالرؤساء والملوك ؟

ارتبط والدي بصداقات مع عدد من الملوك والرؤساء على رأسهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أمير دولة العربية وقتها، حيث قدمه له الرئيس الأسبق حسني مبارك في إحدي زيارات زايد لمصر منتصف الثمانينات، وكان أبي يتلو القرآن في مناسبة، وبمجرد أن انتهي من القراءة ذهب إليه الشيخ زايد وقدم له التحية وطلب من مبارك أن يستمع له يوميًا حتي يغادر مصر، وأفصح الشيخ زايد لأبي عن رغبته في اصطحابه إلى الإمارات للقراءة هناك، ومن هذا اليوم صارت صداقة بين الإثنين، وقد كانت علاقته بمبارك والسادات جيدة، وقد طلباه لقراءة القرآن كثيرًا، وكان مقربا من الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر الشريف الأسبق، وتوقف والدي عن القراءة الرسمية بعد حادث المنصة، ولا ننسي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي أحبه كثيرًا وعن طريقه تعرف والدي على الملك محمد السادس ملك المغرب حينها، وقد كان في ضيافة مصر وأعجب كثيرًا بصوت والدي، وأخبره برغبته في منحه الجنسية المغربية والإقامة بالرباط نظير تلاوة القرآن هناك، لكن الشيخ رفض وقال له «أنا تحت أمركم في أي وقت دون جنسية، لأني معرفش أعيش بعيد عن مصر».

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

أسرد لنا انطباعه عن حادث المنصة الذي راح ضحيته الرئيس الراحل أنور السادات ؟

اتصلت رئاسة الجمهورية بوالدي وأخبروه بضرورة حضوره صباح السادس من أكتوبر من أجل افتتاح الحفل والعرض العسكري، وكان هذا الاتصال قبل المناسبة بيومين، فاعتذر لهم وأبلغهم بأنه مرتبط بمناسبة في مدينة الإسكندرية، وانتهي الاتصال بعدها بساعات عاد نفس المتصل من الرئاسة مُلحّا على أبي بأهمية تواجده، فما كان من أبي إلا أن وافق، لكنه اشترط عليه أن يسمحوا له بالانصراف من الاحتفال بعد انتهائه من تلاوة القرآن الكريم مباشرة للوفاء بالتزامه الآخر، ووافق الرجل المتصل، وجاءت سيارة الرئاسة صباح يوم الافتتاح للمنزل وأخذت الوالد إلى المنصة، وجلس بجوار الرئيس السادات رحمه الله ونائبه آنذاك حسني مبارك وقيادات الدولة جميعهم منهم رئيس مجلس الشعب ورئيس الوزراء ووزير الدفاع وغيرهم من المسؤولين الكبار، وافتتح الوالد الاحتفال وبعد أن أفرغ من القراءة طلب من رئيس المراسم الانصراف، فقال له للأسف الأبواب جميعها مغلقة ولا يمكن أن تتحرك قبل خروج الرئيس، ولم يمضي دقائق قليلة حتي وقع حادث المنصة، الذي وصفه لي بأنه «يشبه كما يقولون يوم الحشر»، فقد كان ضرب النار كثيفًا ومرعبًا، ما جعل الجميع يستقر على الأرض حتي سكن الرصاص وبدأت الناس في الحركة بعشوائية والأجواء مليئة بالغبار والأتربة والرؤية ضبابية تمامًا، وكل واحد مشغول بالهرب من المكان لكن من حسن حظ أبي وجد شخصًا يمسك بيده ويقول له تعالي معايا يا شيخ عبدالباسط وكان هذا الشخص الدكتور ممدوح جبر وزير الصحة، واصطحبه لسيارته وركبا معًا وخرجا من المنصة سالمين، وكانت تلك نهاية والدي مع التلاوة في الاحتفالات الرسمية.

فسر ماذا تقصد نهايته مع التلاوة في الاحتفالات الرسمية ؟

ترك حادث المنصة في نفس أبي ضيقًا وحزنًا استمر شهورًا، كونه تواجد في قلب الحدث، وكان قريبًا من النيران، ما جعله يقرر عدم حضور المناسبات الرسمية مطلقًا، وأتذكر أنه قال لي بعد أن التقيته في منطقة العتبة بعد حادث المنصة بقليل «أنا كرهت الحفلات الرسمية ومش هحضرها تاني خالص»، وأنا شخصيًا شاهدته بعد نجاته من الحادث مباشرة بعد أن ذهبت إلى العتبة بناء على مكالمة هاتفية طلب فيها مني الحضور إلى شركة بيع المصنوعات لشراء ملابس نظيفة له حتى يستطيع السفر للإسكندرية، وكانت ملابسه غير نظيفة، وعلى وجهه القلق والتوتر، لكن بكل صراحة كثيرًا ما استجاب لطلبات المحبين بالتلاوة في بعض المناسبات بعد حادث المنصة لكنها مرات قليلة وجاءت بعد إلحاح شخصيات مقربة لقلبه.

ماذا عن تفاصيل مرضه والحادث الذي تعرض له؟

في أثناء إحدى زياراته لمدينة إثنا لإحياء احتفال هناك، وبينما كان يستقل السيارة بجوار السائق في اتجاهه إلى مكان المناسبة إذ بسيارة ميكروباص تصطدم بسيارته ويتهشم الزجاج، ما نتج عنها تهتك في القرنية وانفصال شبكي، ولم يفلح علاجها في مصر، ما اضطره للسفر إلى أمريكا لزراعة عدسة، وعاد أفضل كثيرًا من الأول، لكنها خلفت وراءها مرض السكري، وفي عام 1988 تعرض والدي لوعكة صحية، حيث أصيب بالتهاب كبدي يبدو أنه تطورًا لبلهارسيا كانت قد توطدت داخله في الصغر، وقد نصحه الدكتور إبراهيم بدران وزير الصحة وقتها بالسفر إلى لندن للعلاج، ولم يضيع وقتًا، ورافقته في رحلته للخارج، وبعد أسبوعين تقريباً طلب مني أبي العودة لمصر، وقال لي «يا ابني أنا عايز أموت في بلدي رجعني بسرعة«، وفعلا عدنا إلى هنا وبعد أيام قليلة فاضت روحه إلى خالقها في 30 نوفمبر من عام 1988 رحمه الله وطيب ثراه وأسكنه سبحانه وتعالي فسيح جناته.

ما هو أول أجر حصل عليه؟

تقريبا كان أول ما وقع في يديه نظير تلاوته للقرآن وهو في صباه مبلغ 10 قروش، والحقيقة والدي لم يطلب أبدًا المال نظير القراءة، وله مواقف كثيرة تؤكد حبه للتلاوة للفقير دون مقابل مادي، فمثلًا ذات مرة ونحن بالمنزل سمعنا صوتًا يقرأ القرآن بجوارنا فسأل عند مين فأخبرناه بأن والدة الحاج فتحي «صاحب محل كاوتش»، الذي يسكن خلف البيت قد توفاها الله، فما كان منه إلا أن ارتدى ملابسه وطلب مني النزول معه إلى العزاء ودخل وسلم على الحضور جميعًا، وبعد توقف القارئ استأذنه والدي قائلًا له «أنا عايز أشارك في عزاء جارتي»، وأخذ الميكروفون وأحيا الليلة، وبعد أن كان الحضور لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة امتلأ المكان عن آخره، فقد جاء الناس لسماع الشيخ عبدالباسط حيث كان وقتها ملء السمع والبصر أيضًا، أقصد من هذه الرواية أن والدي لم يسع للحصول على المال مقابل قراءته للقرآن، لكنه بكل أمانة كان يطلب ممن يرغبون في إحياءه حفلات من الأثرياء أن يكون مكان إقامته في فنادق كبرى، وأن يحجزوا له في قطارات الدرجة الأولى حال سفره.

«المصري اليوم» تحاور طارق عبد الصمد

أخبرنا عن الأماكن التي أحبها ؟

تعلق قلب والدي بالتلاوة في بيت الله الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة خارج مصر أما داخل مصر بمساجد آل البيت وعشقها جميعًا، وخاصة منطقة السيدة زينب، كون دخوله الإذاعة وانتشاره في شتى ربوع مصر حدث من هذه المنطقة، التي وصفها بأنها الأحب إلى قلبه، وأيضًا مسجد الإمام الشافعي، الذي يحسبه والدي بأنه فاتحة الخير الكبير عليه، حيث اعتاد الناس من مختلف المستويات الهرولة إليه من كافة المناطق لعلمهم بأن الشيخ عبدالباسط متواجد دائما في هذا المكان وخاصة يوم الجمعة.

ما الأشياء التي امتلكها بسبب تلاوته للقرآن الكريم ؟

فوائد ومحاسن القرآن الكريم لاتعد ولا تحصى، فأنا شخصيا وجدت منذ نشأتي في كنف أبي أمانًا واطمئنانًا وسعادة ربانية يكفي أنني تعلقت منذ نعومة أظافري بالقرآن، فأجدني دائمًا في حالة روحانية لا يشعر بها إلا من عاشها بفضل كتاب الله، وقد كان والدي مغمورًا بمحبة الناس له هيبة وتقدير بفضل كلمات المصحف الشريف وبركاتها، ولا أخفي عليك سرًا لقد تأكدت بنفسي من قدر المقرئين حيث لم أذهب لمكان داخل أو خارج مصر إلا ووجدت احترام وتقدير كبير من الناس بمجرد أن يعرفوا أنني ابن الشيخ عبدلباسط، فقد احترموني من أجل أبي وهو ما يجعلني فخور دائمًا بانني ابنًا لهذا الرجل المقدر في كل الأراضي، وهذا أحد نعم القرآن الكريم على من يحفظه، فالقرآن نور وشفاء وأمان واطمئنان ونجاح وفلاح في الدنيا والآخرة.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار مصر اليوم - نجل الشيخ عبد الباسط عبدالصمد: والدي تعقّد من «حادث المنصة».. وارتدى «البدلة» خارج مصر (حوار) في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع المصري اليوم وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي المصري اليوم

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق