الاقتتال في دارفور يغطّي على الحراك السياسي في السودان

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
> الخرطوم - غطت تداعيات الاشتباكات القبلية في إقليم دارفور على المظاهرات التي خرجت في بعض المدن السودانية الخميس، ونكأت الصدامات التي وقعت بين قبائل عربية وأخرى أفريقية في الإقليم أخيرا الكثير من الجراح بشأن ما يتردد حول استعداد المكونين العسكري والمدني للدخول في مرحلة جادة من الحوار السياسي بعد أيام.

وكشفت مصادر سودانية لـ”العرب” أن أي تفاهمات يمكن التوصل إليها عبر الآلية الجديدة للحوار السياسي لن يكتب لها النجاح ما لم تتم تهدئة الأوضاع في إقليم دارفور، لأن عدم الاستقرار سوف يؤدي إلى المزيد من الاستنزاف الذي تسعى إليه قوى مشاركة في الحكم وتخشى من عواقب تثبيت حكومة مدنية ديمقراطية.

وأكدت المصادر أن قوات الدعم السريع وقائدها، نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي) في مقدمة المستفيدين من الاشتباكات في دارفور، ومن أكثر الشخصيات التي تجني ثمار استمرار اهتزاز الأوضاع في الإقليم، وأشدها حرصا ليظل مفككا طوال الوقت، لأن ذلك هو السبيل الذي يمكنه ومن يقفون في صفه من استغلال الموارد السخية في الإقليم.

وأوضحت المصادر ذاتها أن حل هذه الإشكالية يسمح بفك الكثير من الألغاز التي تعتري المشهد في دارفور، ويفسر لماذا كلما بدا الإقليم مقبلا على مرحلة من الهدوء يزداد توترا، ودون مواجهة صريحة وحاسمة وصارمة سوف تفشل جهود الحوار السياسي في التقدم إلى الأمام، والتي باتت على علاقة قوية بما يجري في الهامش، فالخرطوم مركز الحكم الاتحادي ومفاتيحه الرئيسية بالأقاليم، وفي مقدمتها دارفور.

ويجري قادة حاليا حوارات جانبية مع قوى سياسية مختلفة لتهيئة الأجواء والاتفاق على حدّ أدنى من النقاط التي تكفل الشروع في حوار وطني قريبا.

ومن المتوقع أن ينطلق الحوار بين القوى السودانية منتصف مايو الجاري بإشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، بهدف الخروج من الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد بعد إجراءات اتخذها قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في أكتوبر الماضي وصفها الكثير من السودانيين بـ”الانقلاب العسكري”.

وتنخرط  قوى داخلية وخارجية في حوارات منذ أيام أملا في التوصل إلى قواسم مشتركة تزيل رواسب الانقلاب وتنهي آثاره وتعيد ضبط البوصلة في الاتجاه الذي يسمح بعودة الشراكة بين المكونين العسكري والمدني وتعيين حكومة جديدة.

وزار وفد غربي رفيع الخرطوم نهاية الشهر الماضي والتقى أعضاءه السلطات العسكرية وبعض القوى الثورية الرافضة للانقلاب ومجموعات سياسية أخرى مساندة له، مؤكدا دعمه للحوار والآلية الثلاثية لاستعادة الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد.

ويعتمد الجنرالات في مجلس السيادة على عقد لقاءات منفصلة مع القوى المدنية لزيادة ترسيخ الفواصل بينها بذريعة لم الشمل، وأسند لكل قائد مهمة الحوار مع أحزاب أو تجمعات محددة، تصب الحصيلة في جعبة الجنرال البرهان.

وقالت مصادر سودانية إن المكون العسكري يريد إثبات حرصه على جمع رؤى كل القوى وتصنيفها وفقا لما جرى الاتفاق حوله، وتقسيمها إلى ما حظي بتفاهمات جوهرية وثانوية ليتمكن المتحاورون من تقريب وجهات النظر والتوصل إلى حل وسط.

ونفى المكون العسكري على لسان الفريق ياسر العطا عضو مجلس السيادة ما تردد حول رغبة الجيش تشكيل حاضنة سياسية جديدة، وقطع الرجل التكهنات بشأن إمكانية الاعتماد على فلول النظام السابق لمواجهة شراسة قوى الحرية والتغيير.

وأكد العطا في حوار تلفزيوني له قبل أيام أن الجيش يرغب في “أن تكون كل القوى الثورية حاضنة للثورة، نريد وصول هذه القوى إلى توافق يمكّن من إدارة حوار على مرحلتين، وضع الأولى آلية اختيار رئيس وزراء والوزراء العاملين، والثاني إدارة حوار استراتيجي عميق حول مفهوم الدولة المدنية تشارك فيه كل الأحزاب السياسية لضمان عدم الانقلاب على الديمقراطية”.

وأطلقت السلطات السودانية مؤخرا سراح عشرات من شباب الثورة، وقيادات لجنة إزالة التمكين المحتجزين بموجب بلاغات بتهمة خيانة الأمانة، لتأكيد حُسن النوايا قبل الانخراط الفعلي في الحوار السياسي.

ويشير متابعون إلى أن مجلس السيادة تنتابه خلافات داخلية، حيث ألمح حميدتي أخيرا إلى عدم كفاءة القيادة العسكرية (البرهان) في البلاد، وقال “لو كان فيه رجل عسكري مثل الرئيس الأسبق جعفر نميري لما حدث الذي حدث في البلاد”.

وجاء التلميح كرد على تواتر الحديث حول تورط قواته في الاشتباكات المتكررة في إقليم دارفور ومساندتها قبائل عربية على حساب أفريقية.

وقال المحلل السياسي السوداني محمد تورشين لـ”العرب” إن قوات الدعم السريع، والسلطات الولائية في الإقليم ممثلة في والي غرب دارفور رئيس السوداني خميس أبكر وحاكم دارفور مني أركو ميناوي، والحكومة الاتحادية، يتحملون وزر وتبعات الأحداث والضحايا في الإقليم بسبب وجود إهمال متعمّد.

وأشار إلى أنه عقب كل حادث في دارفور يتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق والوعد بتقديم المتسببين في الاشتباكات للعدالة، لكن لم يحدث ذلك، مع أن الأحداث مفتعلة والجهات المتورطة فيها معلومة، وأبرزها قوات الدعم السريع التي يريد قائدها الدفع نحو استمرار الصدامات في الإقليم للسيطرة على موارده.

وذكر تورشين لـ”العرب” أن وحدات الدعم السريع جزء من السلطة المركزية، لكن المعطيات تؤكد أن وضعه سوف يتغير مع وجود سلطة مدنية، ما يضاعف هواجس قائده الوجودية فيعمل على استغلال الأحداث الأمنية ويسعى إلى استقطاب مجموعات قبائلية لتعزيز نفوذه في دارفور وامتلاك ورقة تجعل عملية التخلص منه صعبة مستقبلا.

وفي أثناء تجمع لأطراف السلطة في منزل حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي الثلاثاء الماضي (ثاني أيام عيد الفطر) تحول اللقاء الاجتماعي إلى مبارزة سياسية، وقال حميدتي “لو لم تدخل المطامع والتآمر والنفاق كانت البلاد مضت إلى الأمام”، في محاولة لنفي التهم التي تلاحق قواته وقذف الكرة في ملعب آخر.

وطالب مني أركو مناوي بإجازة قانون حكم إقليم دارفور ووضع القوات الأمنية تحت سلطة حكومته لمنع حدوث المزيد من المجازر، مؤكدا أن “عدم الاستقرار في دارفور وكل أنحاء البلاد انعكاس للمشاكسات والخلافات في الخرطوم”.

وفجرت الأحداث الدامية بمحلية كرينك غرب دارفور مؤخرا وراح ضحيتها أكثر من 200 شخص وتهجير الآلاف تساؤلات عديدة بشأن مستقبل اتفاق السلام الموقع في جوبا بين السلطات السودانية وحركات مسلحة وسياسية من الأقاليم في أكتوبر 2020، ما أدى إلى أن يطغى حديث الاشتباكات على حديث الحوار الوطني.


للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق