التنظيف مهنة الموت( تقرير)

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة
(( الغد)): ضيف الله الصوفي

 

ثمة فئة كانت هي الأكثر تعايشًا مع فيروس كورونا خلال موجتيه الأولى، والثانية في مدينة اليمنية.. المرحلة التي استدعت استمرار عمل كثير من النساء في إزالة وتنظيف أرجاء المستشفيات، وغرف المرضى، خصوصا أولئك المصابون بكوفيد 19، وقتما كان الآخرون يعتبرون مهنة التنظيف هي الأقرب إلى الموت.

والدة غدير.. امرأة في الثلاثينيات من العمر، وجدت نفسها وأولادها الثلاثة يعيشون حالة من الجوع والفقر.. الأمر الذي دفعها إلى البحث عن فرصة عمل تعينها على تسيير أمور الحياة، وتوفير متطلبات الصغار.. عملت في إحدى المستشفيات الحكومية بتعز "منظفة" مقابل أجر يومي لا يزيد عن ألفين ريال، ما يقارب دولارين يوميًا.. العمل الذي أعاد لها القليل من الأمل في استعادة الاستقرار والعيش بعيدًا عن التسول أو التشرد.
يقال أن المرأة تعمل دون تهاون. تلتزم في أداء مهمتها مهما كانت الظروف، خصوصا إذا كانت تحتاج إلى مردود مالي.. عام ونصف، ووالدة غدير لم تتغيب يومًا واحدًا عن العمل في المستشفى على أمل تثبيت اسمها كموظفة رسمية.
وما إن وصل وباء كورونا تعز، وبدأ القلق يسيطر على ناس المدينة، والمخاطر تزداد بقدوم المرضى المصابين إلى مكان عمل هذه الأم.. استمرت المرأة بالعمل، دون تردد أو خوف.. لم تشأ أن تتخلى عن مصدر دخلها الوحيد، إذ تقول: "اشتغلت أيام كورونا، عشان أطفالي ما يموتون جوع.. تنقلت بين المصابين بالفيروس، وغرف مراكز العزل، والتنظيف يوميًا من الصباح حتى المساء".
امرأة كافحت الجوع بصراعها الدائم مع العمل، فريدة في المعاناة، والتفاني العجيب.. أم تكرس حياتها للعمل كي تعيل صغارها.. تضحية غير عادية، تقدمها هذه الأم لأطفالها، وما أعظم التضحية حين تكون من أجل أطفالك.

مخاطر وخسائر
لم تكن مهنة التنظيف آنذاك سهلة كما كانت من قبل، يتقاضى عاملها الأجور مقابل عمل بسيط، بل باتت مهمة خطرة، مُحاطة بالموت.. أصيبت والدة غدير بكوفيد 19، الفيروس الذي أقعدها على فراش منزلها عشرون يومًا.. حينها لازمتها ابنتها بالعناية حتى تشافت: "اعتنت بي، ثم انتقل المرض إليها.. لكن حالتها تضاعفت، وكانت تشعر بالاختناق.. نقلناها إلى مركز العزل في الجمهوري.. وهناك بقت يومين تحت عناية مجموعة من الأطباء.. عملوا لها إبر وعلاجات، لكنها ماتت، وتركتني".
توفت الابنة الأكبر، ذات الستة عشر عامًا متأثرة بالفيروس الخطير.. رحلت من دون إذن لتترك والداتها وحيدة تصارع الأيام بلا معين.. الرحيل الذي ضاعف الحزن على قلب والدتها المثقل بالألم، الألم الذي أفقدها روحها القوية كما وصفت، التي كانت مليئة بالعزيمة والإصرار ودائمة البحث عن العمل والكفاح في سبيل العيش الكريم.
"ماتت غدير.. وتركتُ العمل" هكذا وجدت أم غدير نفسها بين موت ابنتها، وتخليها عن العمل. حزنان كل منهما أشد عمقًا من الآخر، في حياة، أثقلتها بالوحدة المصاحبة للبكاء، وما أقسى أن تبكي الأم ابنتها، وما أكبر أن تُفنى وهي تندب فقيدتها.. ألم الفقدان وحزنها الدائم أثرا على حياتها المعيشية والنفسية، ووصل بها الحال إلى أن تركت عملها لتبقى وحيدة مع حزنيها (فقدان الابنة، والعمل) يُرافقها الجوع والفقر وشبح غدير.
توضح والدة الفقيدة: "عندي عقدة من المستشفى.. لا أريد العمل، ولا رؤية المكان" ما أصعب أن تسمع هذه الكلمات من أم تعتصر لسانها حروفاً متقطعة.. وبنبرة باكية خاطبت معد التقرير "لو مات صديقك في مكان معين، تكره المكان وتكره أن تمشي من جواره.. وإذا مريت تشعر بالحزن وأنت تستعيد الذكريات، فما بالك ابنتك، قطعة من روحك".
تخلت عن عملها بعد أن كانت متشبثة به.. تركته بفعل فاعل أخذ حياة ابنتها في مكان تعزم على ألا تعوده وإن كانت على فراشي المرض أو الموت حد وصفها.. حرمها من ابنتها، فحرّمت العودة إليه، أو المرور من جواره.

الشريحة الأقرب من الموت
بذلت الفئة العمالية جهودًا فوق طاقاتها خلال موجتي كورونا، حيث كانت النساء تمثل غالبية الفريق الطبي في مراكز العزل.. الفريق الذي عمل في سبيل المهنة وسط مخاطر تهدد حياتهم وحياة أسرهم.. ففي مستشفيات تعز كان لهذه الفئة الضعيفة نصيب من الإصابة بالفيروس.
تقول الإحصائيات وفقًا للجنة الترصد الوبائي بتعز إن ما يقارب مائة حالة من الكادر الطبي والعاملين في المستشفيات أصيبوا بفيروس كورونا.. ويؤكد ياسين الشريحي، مدير اللجنة أن أكثر من تسعة عشر عامل وعاملة في مهنة التنظيف، توفوا متأثرين بالفيروس.
مصير واحد لكثير من عاملو النظافة في المستشفيات، الذين كانوا يبدأون عملهم بالتجول بين المرضى وتنظيف أسرَّتهم، لينتهي بهم الحال مُقعدين بالمرض ذاته في أماكن من سبقوهم.. لم يقل دور هؤلاء في المُخاطرة عن الأطباء والممرضين.. إذ تطلب العمل منهم الوقوف في الصفوف الأولى، ضمن فريق المواجهة للأوبئة والأمراض المنتشرة بالمدينة.
"تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/ JDH صحفيون من أجل حقوق الإنسان، والشؤون العالمية في كندا"


للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق