الإخوان يوجهون قواعدهم لنُصرة فلسطين باستهداف الأنظمة العربية

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة

الأحد - 02 فبراير 2020 - الساعة 11:25 م بتوقيت ،،،

4 مايو عن : العرببِمُجرد إعلان الرئيس الأميركي ، عما أسماهُ صفقة القرن، خرج التنظيم الدولي للإخوان ببيان رسمي، تصدرت أسطره الأولى توصيفات للطرح الرئاسي الأميركي بأنه “مشبوه، لعين، منحاز، يستهدف تصفية القضية وتمكين المحتل من فلسطين وإسقاط حق العودة”، ثم انطلق البيان في فقرته الثانية، بعيدا عن مواجهة إسرائيل باعتبارها العدو الأصيل في القضية، ليُحَوِّل دفة الصراع إلى الأنظمة العربية، حيث يرى أن التمهيد لتلك الصفقة المشبوهة تم بعد فرض أوضاع كارثية على المنطقة، أضعفتها وكبَّلت شعوبها.

تتمثل الأوضاع الكارثية بنظرهم، في “حكومات وأنظمة دكتاتورية، تحكم شعوبها بالحديد والنار، وتعلن ولاءها للعدو جهارا نهارا، أو في الخفاء، مقابل تمكينهم من كراسي الحكم”.
ورغم انسحاب هذا التوصيف على السلطة الفلسطينية ممثلة في الرئيس محمود عباس، إلا أن بيان الإخوان ثمَّن موقفه من إعلان ترامب، داعيا إلى العمل الجاد على إنهاء الانقسام، وتحقيق وحدة وتماسك الشعب الفلسطيني بكل مكوناته المختلفة. ثم انتهى البيان إلى مُطالبة أبناء الأمة في بقاع العالم المختلفة أن ينتفضوا في احتجاجات شعبية سلمية للتعبير عن رفضهم لتلك الصفقة.
كي يتمكن القارئ من فهم استبدال البيان التنظيمي للعدو الأصيل (إسرائيل)، بعداءات مُتعَدِدة عنوانها (الأنظمة العربية)، يُمكن الرجوع إلى الأهداف الاستراتيجية التي اعتمدتها إدارة التنظيم الدولي للأعوام الأربعة التالية 2020 – 2023، فيما هو موجه نحو الداخل التنظيمي (الصف)، والخارج (المجتمع) التي ينص هدفها على أن إحياء القضية الفلسطينية لا يتم عبر مواجهة المُحتل مباشرة، وإنما يستهدف الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام المصري وأنظمة دول الخليج العربي.
أما خِطة الإخوان التفصيلية للعام الحالي والتي تم اعتمادها في نهاية أغسطس 2019، واعتمدت على حسم إعلان صفقة الرئيس ترامب، خلال مطلع العام، وبناء على ذلك حددت محاور أساسية لحركة التنظيم، شملت في محورها الثالث ما أسمته “المشروعات المُعادية”، من خلال فضح أدوات المشروع الأميركي-الإسرائيلي وعملائه في المنطقة.
حددت خطة 2020 التنظيمية الأهداف المرحلية لتحقيق ذلك، وأولها، حسب النص الإخواني، يخلو من أي توجه نحو العدو الرئيس في الواقع الفلسطيني والتركيز على بعض الأنظمة العربية، وفي مقدمتها .
إنه التأطير الفعلي للهُتاف التنظيمي الشهير “كي نحرر القُدس لازم نحرر مصر”، وبالتالي فإن الهدفَ المرحلي الثاني ينص على “فضح دور الانقلاب (النظام المصري) وداعميه في صفقة القرن”، وبهذا تُعَمم إدارة التنظيم الدولي للإخوان العداء ليشمل إلى جوار مصر دول السعودية والإمارات والبحرين، فيما يظل القوس مفتوحا ليشمل كل نظام عربي أو إسلامي يقرر التصدي للتنظيم، برفع لافتة ليس عنوانها العداء لإسرائيل، بل مقاومة التطبيع مع العدو وفضح المطبّعين على كل المستويات.
وهو ما يتم من خلال حملات توعية داخلية “توعية دوائرنا بالمشروعات التي تستهدف الهوية”، ثم حملات توعية مجتمعية بهذه الأهداف، تشمل الاتصال المباشر مع عموم المواطنين بواقع عشرة لكل عضو، (توعية 10 أمثالنا بالمشروعات المناوئة)، ولأن القضية الفلسطينية لها خصوصيتها في الوعي الجمعي فإن خطة الإخوان تعتمد لتحقيق هدفها في هذا الصدد على استثمار هذه العاطفة لتحقيق التعاون مع الآخر، سعيا للاستفادة من الغير وتوسيع الشراكة، بما يؤدي إلى ابتكار وتفعيل مصادر أسباب القوة والمقاومة.
إن الاستراتيجيات التنظيمية السابقة لاستثمار القضية الفلسطينية بما يمنح التنظيم فرصة النَّيْل من خصومه، ليس مُستجدا على الموقف الإخواني من جهة، كما أنه ليس مُستغربا على تنظيم قرر أن يكون كل مُقدس أو قومي أداة لتحقيق مكاسبه وتأكيد وجوده، وهو ما يُفسِّر حالة وقوع بعض الأنظمة العربية والإسلامية المُختلفة في شرك الاستخدام التنظيمي عبر لافتات “نصرة القضية الفلسطينية”، وربما يكون النموذج السوري هو الأكثر سفورا في هذا السياق.
استطاع الإخوان عبر جناحهم الفلسطيني (حماس)، أن يُمارسوا الاحتيال على نظامي الرئيسين الأسد، الأب والابن، حتى تجاوزا عن عدائهما التاريخي للإخوان، وفتحا أبواب الجمهورية السورية لاستقبال قواعد التنظيم الفلسطيني وقياداته.
شخصيا شاركتُ في مؤتمر “حق العودة” الذي نظمته لجنة فلسطين بالتنظيم الدولي نهاية 2007 في قاعة المؤتمرات الكبرى بدمشق، وخلاله كانت عاصمة العداء للتنظيم الإخواني تشهد العديد من الاجتماعات السرية لقيادات الإخوان من أقطار العالم المُختلفة. لكن هذا الكرم الرئاسي مع إخوان فلسطين وقت الأزمة، لم يمنع من أن يكونَ تنظيمهم الدولي أول من يدعم حمل السلاح في وجه نظام الأسد بمجرد تفجر أحداث الثورة السورية.
كان الهدف التنظيمي المُعلن، مواجهة التطبيع الذي تقوم به الأنظمة العربية مع دولة الاحتلال وفضح ذلك، لذلك من المهم في هذا الصدد التأكيد على أن غاية التنظيم من هذا الفضح ليس تجريمه، بل إضعاف هذه الأنظمة بحيث يكون مفاوضو التنظيم هم البديل.
هذا هو الجانب المُظلم في واقع مساعي الإخوان، فعلى عكس ما هو شائع، وما تصرح به قيادات حماس، ومنهم مهندس التنظيم موسى أبومرزوق الذي ذكر في تصريحات له عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، “نحن موقفنا واضح بقبول الاتصالات مع أي طرف ما عدا الصهاينة”، فإن تقارير التنظيم الدولي تؤكد أن لقاءات عدة جمعت بين قيادات إخوان فلسطين، وقيادات رفيعة في دولة الاحتلال إبان الانتفاضة الأولى، وأبرزها اللقاء الثنائي الذي تم بين شمعون بيريز، وزير الخارجية الإسرائيلي في حينه، ومحمود الزهار أحد قادة المجمع الإسلامي في القطاع في شهر مايو 1988، وتلاه اجتماع ثان بتاريخ 1 يونيو 1988، ضم من قيادات الإخوان إلى جوار الزهار، إبراهيم اليازوري من المجمع الإسلامي في غزة ومعهما زهير الريس ورياض الأغا من قطاع غزة. وكان الطرف الإسرائيلي فيه هو إسحق رابين وزير الدفاع الإسرائيلي.
لم تتوفر لدى كاتب هذه الأسطر معلومات حول طبيعة ما تم في هذه الاجتماعات. لكن في لقائي مع الزهار عام 2006 بالقاهرة، حيث كُلفت بمرافقته وإجراء حوار شامل معه لصالح موقع “إخوان أون لاين” الذي كنتُ أترأس تحريره وقتها، طالب الرجل بعدم التعرض لهذا الأمر، غير أن التقصي عبر المصادر التنظيمية أكد أن الزهار طرح على بيريز في اجتماع يونيو 1988 مشروع حل سياسي يشير إلى إعلان إسرائيل نية الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس، وتوضع الأراضي المحتلة وديعة في يد الأمم المتحدة، ويسمي الشعب الفلسطيني ممثليه في الداخل والخارج بالطريقة التي يرتئيها دون أن يكون لإسرائيل أي حق في الاعتراض، إلا إذا أعطى الشعب الفلسطيني حق الاعتراض على ممثلي إسرائيل، وتبدأ المباحثات بين الممثلين بشأن النقاط المتعلقة بالحقوق كافة في الوقت الذي يوافق الطرفان عليه.
ينسف هذا الجانب الخفي التُهمَة المُعدَة سلفا بالتطبيع والموالاة للعدو، والموجهة لكل خصوم التنظيم من الأنظمة العربية والإسلامية، ويُؤكد أن ما هو مُعلن من عداء إخواني للدولة العبرية، ليس إلا شعارات للاستهلاك الجماهيري، ويُمكن أن تتغير بتغير موقع التنظيم من التمكين وصدارة مشهد الحكم. فخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس في حوار مع قناة الجزيرة، برنامج لقاء اليوم، بتاريخ 25 مارس 2006، صرح نصا “ليس عندنا مشكلة في الاتصال ولا في الحوار، مع أي دولة في العالم، باستثناء إسرائيل، لأنها دولة احتلال وعدوان”.
لكن مشعل في لقاء خاص مع عدد من شباب الإخوان وبعض الأحزاب والحركات المصرية عقب ثورة 25 يناير 2011، قال “إن عدم الاتصال مع إسرائيل من المُتغيرات لا الثوابت”.
يتغير موقف الإخوان حسب موقعهم من صدارة المشهد، وهو ما يُفسر موقفهم من العلاقات المتميزة بين إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودولة الاحتلال، والذي تمّ استثناؤه من قائمة “المطبّعين مع الصهاينة”، رغم ما يملكه من علاقات دبلوماسية واتفاقيات في العديد من المجالات. وهي العلاقات التي لم تفرض على مُظاهرات الإخوان في أن تهتف بما تهتف به مظاهراتهم في غير أوطان التمكين، “أول مطلب للجماهير غلق سفارة وطرد سفير”.
لا يتوقف التغير في الموقف الإخواني عند حد تخوين من سواهم حال اتصالهم بممثلي الحكومة الإسرائيلية، بل يتجاوز ذلك إلى ازدواجية في الموقف بين المُعلنْ من خصوم التنظيم على الساحة الفلسطينية وعلى رأسهم الرئيس محمود عباس (أبومازن) الذي ثَمّن بيان الإخوان الخاص موقفَه من صفقة القرن، في حين أن رؤية حماس المُعتمدة في يونيو 2007، تصف أبومازن بأنه “سيطر بالأمر الواقع على مقاليد فتح والسلطة، وربط نفسه بالأجندة الإسرائيلية الأميركية، واستقوى بها لينقلب على نتائج الانتخابات بأي ثمن، لأنه لا يريد أن يتخلى عن امتيازاته ومطامعه وأهوائه ومصالحه الشخصية، وعن استفراده بالقرار الفلسطيني وبمقاليد السلطة الفلسطينية بعيدا عن القانون والنظام والشرعية”.
هذا التوصيف دعا الإخوان في أغسطس من العام نفسه، إلى إصدار تقدير موقف داخلي سري يُقرر تصعيد الخطاب السياسي نحو عباس وفريقه لنزع الغطاء السياسي والشعبي عما يقوم به.
والمُتابع لكافة الأذرع الإعلامية والأبواق السياسية التنظيمية، منذ هذا التاريخ وحتى الآن يمكنه أن يكتشف التزام كافة أوعية التنظيم الدولي بهذا القرار ضد أبومازن والسلطة الفلسطينية عموما، وهو ما اتسق مع موقف الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ ذلك الحين، والتي ارتأت إمكانية استبدال عباس، الشريك عديم الأهمية، بشريك ذي أهمية وسيطرة وانتشار في الداخل الفلسطيني والخارج كذلك ممثلا في التنظيم الدولي للإخوان.
وهو ما عبر عنه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في كتابه “فلسطين سلام لا تفرقة عنصرية”، والذي تعرض لإجراء الانتخابات التي أعقبها تمكين حماس من غزة، رغم أن الكثير من قادة فتح أرادوا تأجيل الانتخابات الفلسطينية أو إلغاءها.
وأكد كارتر أن الولايات المتحدة مارست ضغوطها حتى تسمح للانتخابات بأن تعقد في موعدها، وكانت حماس في تلك الفترة تسيطر على العديد من المراكز المحلية. والمسؤولون التابعون لها في تلك المراكز كانوا فوق مستوى الشبهات لفترة دامت 16 شهرا حافظوا على التزامهم بوقف إطلاق النار الذي أطلقوا عليه اسم هدنة، وحزب ياسر عرفات وعباس والمعروف باسم حركة فتح، أصبح في موقف لا يحسد عليه بسبب إدارته غير الفعالة والفساد الذي استشرى بين صفوفه، وتجاهلت إسرائيل وأميركا عباس كشريك مفاوضات مقبولة في السعي نحو السلام، ووصماه علانية هو ومنظمة فتح بأنهما عديما الأهمية.
يظل موقف تنظيم الإخوان المُعلن من صفقة القرن، مُتسقا تماما مع حالة الاستثمار التنظيمي لمُستجدات القضية بما يخدم أولويات التنظيم بغض النظر عن دعمه للحق الفلسطيني في وطن.

وحسبُنا في هذا الصدد أن نختم بتغير الموقف من العدوان على غزة قبل 2011، والذي تبعه احتشاد قواعد التنظيم في القاهرة ومحافظات مصرية مختلفة، وهتفوا خلف قيادتهم “يا حكام البلاد افتحوا باب الجهاد”، بينما اكتفى التعاطي مع العدوان الإسرائيلي عليها في نوفمبر 2012، إبان التمكين في مصر عبر الرئيس محمد مرسي، ببيان إدانة وتضامن، وراحت لجان التنظيم الإلكترونية، تسوق لعبارات من عينة “الكيان الصهيوني يختبر القيادة المصرية الجديدة- مطلوب خطوات حاسمة مدروسة غير متعجلة تجاه الاعتداءات على غزة”.
وتجاوز أحد القيادات الإعلامية للجماعة حد مطالبة النظام المصري بموقف ليتساءل، أين الموقف العربي؟ إنه نفس التساؤل الذي يطرحه الإخوان حاليا ومعهم بالطبع أردوغان، وإنه الواقع الذي يربط أسباب النكبة الفلسطينية الناتجة عن تنظيم دين سياسي يهودي قرر أن يُقيم دولته على أرض فلسطين، وبين نشأة تنظيم دين سياسي إسلامي، نشأ في نفس التوقيت وقرر أن يقيم دولة تمكينه على أنقاض الدول العربية والإسلامية

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


0 تعليق