توحد القوى الوطنية الليبية لمواجهة التدخل العسكري التركي

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة

السبت - 04 يناير - الساعة 09:43 م بتوقيت ،،،

4 مايو عن : العرب اللندنية

تفاءل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالتدخل العسكري التركي في ليبيا كورقة لقصم ظهر القوى المناوئة لهم. ووجد ما تبقى من أعضاء في المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق ومجلس الدولة، ملاذهم في الرئيس رجب طيب أردوغان. ولم يدر بخلد هؤلاء وهؤلاء أن هذه الخطوة قد تصبح وبالا عليهم وتخرجهم من المسرح السياسي، وربما من التاريخ الحديث.
نجح الإخوان وأردوغان، ومعهما فايز السراج رئيس حكومة الوفاق، في توحيد صفوف القوى الوطنية الليبية المشتتة، على قاعدة إذا أردت أن توحّد شعبا فأوجد له عدوّا خارجيا. وقد جاء العدوّ التركي بنفسه من دون حاجة إلى اختراعه.
خرجت، ولا تزال، مظاهرات عارمة في مدن وقبائل ليبية مختلفة تندد بالمؤامرة التي نسجتها جماعة الإخوان وحكومة الوفاق. وهي عينة واحدة من الإيجابيات التي قدمتها للشعب الليبي. وتؤكد أن القادم أسوأ أمامها، إذا استجابت فعلا لإرسال قوات برية وجوية وبحرية إلى ليبيا.
مرت السنوات الماضية العجاف دون أن تتمكن الزعامات الرئيسية المتصدرة للمشهد من تجميع القوى المختلفة، وصهرها في بوتقة واحدة للخروج من الأزمة. ولم يعرف كثيرون مَنْ يقاتل مَنْ وسط موجات متعددة من العنف. وتحولت ليبيا إلى ساحة للحروب بالوكالة، وفضاء لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية، وأرض واعدة لجمع شمل المتطرفين والإرهابيين.
نجحت الخطوة التركية في توجيه ضربة قاضية لأنصار ثورة فبراير التي ركبها الإخوان واعتقد أنصارها أنهم قوة ديمقراطية وحداثية. أعاد السراج الحياة إلى مؤيدي النظام القديم الذين ظلت بعض القيادات الفاعلة مترددة في تحركاتها ومتخاذلة أحيانا في تصرفاتها، حتى جاءها حبل الإنقاذ، وبدأت تعلن عن حضورها بوضوح، خاصة أن معسكر مصراتة القوي آخذ في الاهتزاز بعد تصويرها كمنطقة جالبة وراعية للغزو.
لعل النداء الذي وجهته عائشة معمر القذافي قبل أيام، ولأول مرة منذ مقتل والدها على يد قوات حلف الناتو لرجال وحرائر ليبيا بالدفاع عن بلدهم، يعبر عن معان كثيرة، وسوف تكون له ارتدادات سياسية ومجتمعية كبيرة في مسار المواجهة الشاملة مع أيّ تدخل تركي حقيقي.
وصلت طلائع المرتزقة والإرهابيين الجدد القادمين من الذين أوفدتهم أنقرة أخيرا، وقدمت خدمة جليلة للمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الذي أكد منذ بداية حملته العسكرية على طرابلس في 4 أبريل أنه يحارب المتشددين ويريد تنظيفها من الإرهابيين، وبدا كمن يخوض حربا نيابة عن دول كثيرة لدحرهم.
ركّزت حملة الدعاية المضادة من قبل حكومة الوفاق وحلفائها من الإخوان والميلشيات، على أن هدف حفتر السيطرة على العاصمة والهيمنة على مقاليد الحكم، في محاولة ترمي إلى تفريغ مقاربته لمكافحة الإرهاب بشأن طرابلس من مضامينها السياسية.
قدم الرئيس أردوغان الأدلة التي تثبت أنه يقود مجموعة من الإرهابيين ويشحنهم على مناطق الصراعات ويوظفهم لأغراضه، وفي مقدمتها ليبيا. بالتالي لا توجد مبررات أمام المجتمع الدولي لعدم التعامل معه بهذه الصفة، وإعادة المزيد من الاعتبار للدور الذي يقوم به المشير حفتر، وتجاوز الدعاية السوداء التي حاول تنظيم الإخوان إلصاقها به.
الأدهى أن التدخل التركي حوّل الاتهامات التي تلاحق الجيش الوطني بالحصول على مساعدات عسكرية من دول خارجية إلى واقع مرن. فالممانعات التي كانت تحول دون طلب ذلك مباشرة أسقطتها تفاهمات السراج وأردوغان. وسوف يسقط تلقائيا الالتزام بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا وفقا لقرار مجلس الأمن عندما يرى العالم الأسلحة التركية تدخل علنا وبلا استئذان، ما يمنح المبررات الكافية للجيش الوطني باستيراد ما يلزمه من معدات عسكرية.
حفر السراج قبره السياسي بيده، وألصق بنفسه الآن لقب أول مسؤول رسمي ليبي في العصر الحديث يستدعي قوة خارجية للضبط والربط في بلاده. وأعاد إلى الأذهان التذكير بقصص سابقة بشأن تسليم تركيا ليبيا إلى الإيطاليين. وسيذكره التاريخ أنه نجح في توحيد الليبيين دون أن يدري. فخطواته الخارقة لناموس الحياة في ليبيا تمخضت عن نبذ الخصام بين الكثير من القوى الوطنية والالتفات إلى العدوّ القادم إليهم من بعيد.

قام السراج بفعلته في لحظة يأس سياسي واختفى أو كاد بعدها. لا أحد يدري أين هو الآن، وما هي خطوته المقبلة؟ فالحسابات التي بنى عليها فكرة توقيع مذكرتي التفاهم البحري والأمني مع أردوغان سيثبت فشلها عمليا، ولن تحصّنه أو تحمي منصبه، ولن تضمن له مكانا تحت أيّ سماء سياسية، حيث غاب أو غُيّب الرجل وقد لا تظهر عليه شمس مرة أخرى.
لم يعرف أردوغان أو السراج الطبيعة الليبية جيدا، وتصورا أن بين الإسلاميين والمرتزقة والكتائب المسلحة سوف يدوم، ولن تطرأ عليه تغييرات هيكلية. فإذا كانت جماعة الإخوان صاحبة أفكار مؤدلجة لا تحيد عنها، فالمرتزقة والميليشيات ليست لديهم هذه القناعة ويقاتلون مع من يدفع لهم أكثر ومن غلب. لذلك يمكن أن ينقلبوا على المتشددين في أيّ لحظة، أو يهربوا في منتصف المعركة تحت وقع الضغوط الشعبية، ما يسبب للإخوان متاعب كبيرة.
شكك كل من راقبوا موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات إلى ليبيا في إمكانية تنفيذ هذا الطلب، لأن المؤسسة العسكرية التركية لم تدخل اختبارا جديا طوال السنوات الماضية، لا على الساحة السورية أو العراقية، وكانت تقوم بالدخول والخروج على الدوام بحرية. وتحكمت في تحديد التوقيت المناسب لها، ولم تواجه جيشا نظاميا على الأرض أو في الجو أو في البحر. وكل معاركها تشبه حرب العصابات وفي مناطق قريبة من حدودها الجغرافية، ما جعلها تقاتل وكأنها في نزهة عسكرية.
تبدو المسألة مختلفة في حالة ليبيا. فهناك مؤسسة عسكرية محترفة يقودها المشير خليفة حفتر، لديها حدّ جيد من الإمكانيات يمكنها من إرهاق أنقرة والقتال أمامها بصورة مشرفة. كما أن طول المسافة، نحو ألفي كيلومتر، يعد عاملا سلبيا للجيش التركي، ويضع في طريقه عثرات لوجستية بالجملة.
تحتاج أيّ عملية عسكرية إلى عنصرين مهمين. الأول: وجود قوات مشاة على الأرض، والثاني: استخدام الطيران العسكري. وفي الحالتين هناك صعوبات جمة، والمعركة لن تمر بسهولة، لأن الطبيعة الديموغرافية تفرض طقوسها على جميع اللاعبين.
على الصعيد الأول، متوقع أن يواجه المشاة الأتراك متاعب كبيرة، سواء كانوا من المرتزقة التركمان أو من العناصر النظامية، لأن القوى الوطنية الليبية التي أعلنت استعدادها للمواجهة تعرف البيئة التي تقاتل فيها، ما يمكّنها من تحقيق انتصارات سريعة وتكبيد الخصم خسائر فادحة، بما يفضي إلى تحويل المعركة العسكرية في ليبيا إلى معركة سياسية داخل تركيا.
ولأن هناك 184 عضوا في البرلمان رفضوا إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، فمن الصعوبة أن تمر أيّ خسائر فادحة في الأرواح دون محاسبة سياسية، لأن عود المعارضة يشتد ويزداد قوة، وتلتف حلقاته تدريجيا حول رقبة أردوغان. ويتسع نطاق تململ بعض العناصر الحزبية رفضا لهذه النوعية من المغامرات العسكرية.

على الصعيد الثاني، استخدام الطيران يحتاج إلى قواعد عسكرية في ليبيا أو دولة قريبة منها. وإذا كانت تونس التي التقى أردوغان رئيسها قيس سعيد الشهر الماضي أنكرت تقديم تسهيلات عسكرية محددة لأنقرة، ويصمم المغرب على تغليب الحلول السياسية، فإن الوضع بات حرجا أمام تركيا. فالجزائر التي تملك مساحة حدودية شاسعة مع ليبيا ترفض أصلا منطق الحلول العسكرية في هذه الأزمات وتلفظ التدخلات الخارجية، ولا يبقى سوى الحصول على قاعدة عسكرية داخل الأراضي الليبية.
هذا الاحتمال، قد تكون مصراتة مهيأة لتقديمه من خلال القاعدة التي تضمّها الكلية الجوية هناك، وبها غرفة عمليات أدارتها عناصر تركية منذ فترة، ولم تكن بعيدة عن قصف واستهدافات طيران الجيش الليبي، وجرى تدميرها أكثر من مرة. بالتالي فأيّ طيران عدوّ يمكن أن يقبع في هذه القاعدة، أو غيرها، سيتعرض للقصف، ما يشكل حرجا بالغا لأنقرة، يجبرها على التفكير مرارا في إرسال قوات برية أو جوية إلى ليبيا.
وفّر أردوغان والسراج فرصة جيدة لإعادة اللحمة الوطنية في ليبيا، وساعدا على استفزاز المجتمع الدولي الذي رفض التداعيات المترتبة على خطوة توقيع مذكرتي التفاهم اللتين أثارتا أيضا هواجس روسيا نحو تركيا، وأعادتا التفكير في التنافر الكبير بين طموحات كل منهما على الساحة الليبية، وهو ما جعل موسكو تتشكك أكثر في نوايا أنقرة ضمن سلسلة طويلة من الهواجس والحلقات التي ربطتها روسيا في عنق أردوغان.

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق